الأحد، 11 أكتوبر 2009

ولايات الفقيه الإيرانية «إمبراطورية لا تعرف حدوداً» .. مقال لزهير هاشم


لم يكن يدري آية الله وروحه، الإمام الخميني، عندما أطلّ من باب الطائرة التي أقّلته في رحلة عودته المظفّرة والتاريخية من باريس إلى طهران، أنه سيكون خاتم صنّاع ثورات القرن العشرين، وأن عشر سنوات قادمة سوف تُؤذن بسقوط مدوٍ لمفاهيم تلك الثورات التي بدأت في مطلع ذلك القرن في روسيا وانهارت كعمارات كرتونية في نهاية ثمانينياته ومطلع تسعينياته في أوروبا الشرقية، وشكّل سقوط جدار برلين رمزاً لانهيارها وسقوطها. حيّا الخميني، محاطاً بأخوة الثورة ورفاق الدرب، ملايين الإيرانيين الذين احتشدوا لاستقباله في ذلك النهار الإيراني الطويل الذي شغل العالم ولا يزال.
فالثورات تتشابه، وإن اختلفت فكراً، عقيدةً أو ديناً، لكنها تبقى واحدة، عملاً، أسلوباً وأهدافاً. فالثورة بعد انتصارها ما تلبث أن تأكل أبناءها وتحوّلهم حطاماً وهياكل، والظلم بعدها إلى أقسى، والحرمان إلى أشد، وزعيم الثورة من داعية إلى جلاد وديكتاتور، والدولة إلى دولة الثورة وسلطة الثورة. ويرافق ذلك حكماً، انفراط عقد الثوار فتضيق مروحتهم الواسعة التي غالباً ما تضم تيارات واتجاهات سياسية وفكرية واسعة ومختلفة إلى حلقة ضيّقة يختصرها زعيم الثورة بنفسه، وتتبخر معها أحلام الثائرين وآمالهم. فهذا النوع من الثورات لا يقيم عقداً إجتماعياً ينظّم علاقة المواطن بالدولة بل قيداً شاملاً يلفّ الحياة كلّها ويحوّلها إلى سجنِ كبير.
فالثورة استبدلت الشاه الذي كان يتربّع على عرشٍ أرضي بشاهٍ إستمدّ من السماء غطاءً شرعياً مقدّساً، دعّم به سلطانه على الأرض. فأصبح الخميني رئيساً للدولة مدى الحياة، ومرشداً روحياً أعلى لها. فاستُبدل "السافاك" بالحرس الثوري ومعه «الباسيج» و«الباسداران»، والحاشية بنظام الملالي، والبذخ والإسراف والمجون بقوانين إسلامية صارمة، قيّدت الحياة العامة وكبّلتها. ونالت المرأة منها حصة الأسد، حوّلت معها إيران إلى «عورة» كبيرة غطّتها الثورة بحجاب كبير. وحدها الأحلام الإمبراطورية لم تتغيّر، فإيران القوية وشرطي الخليج زمن الشاه، أصبحت عسكري المنطقة ومصدر رعبها زمن أحمدي نجاد. فشعار تصدير الثورة الذي تموت بدونه الثورات ولا تستمر وكان همّ الخميني الأول، نجح في أكثر من مكان. ونهج ولاية الفقيه الذي كرّسته الثورة في صلب عملها السياسي والديني، أزهر ولايات في لبنان والعراق وفلسطين واليمن والكويت والبحرين وسوريا وقطر والسودان، وأصبح له وكلاء شرعيون وأذرع طويلة اخترقت النسيج الإجتماعي والسياسي والرسمي العربي.
نتيجة الغياب والعجز العربيين اللذين تجليّا فساداً وتخلفاً واستبداداً وقمعاً للحريات، ومصادرة للحياة السياسية، ونتيجة غياب المشروع العربي بحده الأدنى وعلى كافة المستويات، والتخلف عن قضايا التنمية بمختلف مجالاتها الإقتصادية والإجتماعية، أطلّت الثورة - الدولة، وبدأت بالسطو على قضايا العرب وفي مقدمها القضية الفلسطينية. وأصبحت بفضل هذا السطو لاعباً أساسياً في موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي على مستوى المنطقة والعالم، وأصبح معها أمن إيران القومي عند تخوم بلدات "عيتا الشعب" اللبنانية و"بيت حانون" الفلسطينية و"الأنبار" العراقية و"صعدة" اليمنية، وليس في الخليج الذي تعترض إيران دائماً على تسميته عربياً وتصرّ على أنه فارسيٌ بامتياز.
إنّ القشرة الخفيفة التي تغطي بها إيران، أحلام الدولة بشعارات الثورة أصبحت شفافة إلى حدٍ بعيد. والخط الرفيع الفاصل بينهما لم يعد موجوداً. فتشكيلة الصواريخ الواسعة التي يملكها حزب الله، وتشكيلة «القسّام» التي تملكها حماس، هي الحارس الأمين للمفاعل النووي الإيراني والمدافع الأول عنه. فمعادلة «السلاح دفاعاً عن السلاح» التي أرساها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله عشية غزوة بيروت في السابع من أيار الشهير هي جزء من معادلة تشمل كل سلاح ولايات الفقيه الإيرانية. وإلى جانب تخصيب اليورانيوم، تخصّب إيران يورانيوم من نوع آخر، هدفه تحويل كل الأقليات الشيعية في أرجاء العالم العربي إلى ما يشبه المستوطنات والمربعات الأمنية المتنقلة والتي ظهرت نماذجها واضحة في لبنان وغزة وصعدة وغيرها، بغية حماية أحلام الدولة بالتوسع والسيطرة. إنّ علامات استفهام وأسئلة كثيرة تُطرح بقوة حول معنى التبني الإيراني - الثوري للقضية الفلسطينية والعداء المطلق لإسرائيل، رغم البعد الزمني والموضوعي والجغرافي عنها. وعلامات إستفهام أخرى حول شعار «الإستكبار العالمي». فالتصريحات النجادية حول محرقة «أوشفيتز» وانتفاء وقوعها، وأخرى لمرشد الثورة الأعلى بضرورة زوال إسرائيل من الوجود لأنها غدة سرطانية، تدعو إلى الشك بصدقية مطلقيها. فالأصداء الإيجابية التي تجنيها إسرائيل من خلال التضامن العالمي الواسع معها جرّاء هذا النوع من التصريحات، هي أكبر دليل على المفعول العكسي لهذه التصريحات، وعلى تقاطعات غير منظورة بين مصدر التصريح والمستهدف منه، وتدفع القضية الفلسطينية وحدها ثمنه الباهظ.
الجهد الإستثنائي الذي تسعى إيران من خلاله إلى شطب منظمة التحرير من معادلة القضية الفلسطينية له أبعاد خطيرة وكارثية على الشعب الفلسطيني الذي دفع دماءً غزيرة وناضل عشرات السنين من أجل تكريس هذا الحق وهو الإعتراف بالمنظمة كممثل شرعي وحيد بما تضم من تيارات واتجاهات تمثل كل شرائح الشعب الفلسطيني ويعكس الرغبة الإيرانية بالإمساك الأحادي بهذه الورقة بغية التوظيف المفرط له في غير مكان وزمان.
لقد فتح الغزوان الأميركيان لأفغانستان والعراق شهية إيران لاندفاعة قوية في المنطقة بعدما مهّد الغزوان المذكوران الأرض لها، وأزالا من أمامها جداري طالبان وصدام. فانطلقت سريعاً في بلاد ما بين النهرين المفتوحة أمامها أرضاً وتيارات سياسية لها ارتباطاتها القوية معها كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والتيار الصدري وحزب الدعوة، ولعبت بالتعاون مع حليفها السوري على معادلتي الدولة والمقاومة العراقيتين، ففيما تولّت هي أمر الأولى تولّت حليفتها أمر الثانية مترجمةً بذلك على الأرض نظرية الفوضى الخلاّقة التي رفعت شعارها الإدارة الأميركية وطبّقتها إيران في المنطقة.
ثمة تساؤلات عن حجم الأسهم التي تمتلكها إيران في «شركة القاعدة» للمقاولات والتعهدات الإرهابية. فحلول سعد أسامة بن لادن على رأس «مجموعة قندهار» ضيفاً على الأراضي الإيرانية منذ الغزو الأميركي لأفغانستان إلى اليوم يطرح أسئلة عن علاقة إيران بالشركة المذكورة وطبيعتها.
مشهد الإنقسام العربي الذي تجسّده فضائيتا «الجزيرة» و«العربية» يشكّل صورة رمزيّة للإنقسام السياسي الكبير الذي يلفّ العالم العربي والذي لم يكن وضعه يوماً بأفضل حال، ويعكس حجم "الدفرسوار" الإيراني داخل بلدانه وحجم حق الفيتو الذي صار يملكه داخل العمل الرسمي العربي ومؤسساته المترهلة وعلى رأسها الجامعة العربية. وشكّلت صور القمم العربية المتشرذمة إبان العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة بين قطر التي حضرها أحمدي نجاد، والرياض، إحدى تجلياتها.
إنّ فائض القوة الذي يطفح به الإناء الإيراني ويتسرب إلى كل مناطق العالم العربي مهدداً أمنه واستقراره فارضاً نفسه لاعباً قوياً في منطقة تعني الكثير للعالم بما تحتويه من منابع للنفط، ناهيك عن وجود إسرائيل، يدحض نظرية مساعدة إيران للشعوب المستضعفة ويؤكد أنها، كسائر الدول، ليست جمعية خيرية وأن مصالحها وأحلامها بالتوسع والسيطرة فوق كل اعتبار.
إنّ دوراً مهماً وعقلانياً لإيران كدولة كبرى لها حيثيتها في المنطقة أمر مشروع. لكن، ليس على حساب تفتيت العالم العربي وشرذمته وجعل أقلياته وخصوصاً الشيعية منها قنابل موقوتة قابلة للإنفجار في أية لحظة، مغلِّبة انتماءها الديني والمذهبي على الوطني والقومي، مع التأكيد على حقوق هذه الأقليات بالمساواة والمواطنية وغيرها من الحقوق المشروعة المهدورة في أوطانها. فالدور الإيراني المتسلّح بنهج ولي الفقيه والمتنامي بتمدد ولايات الفقيه الإيرانية المتحدة، يحمل مخاطر كبيرة في منطقة يشكّل العرب السنّة السواد الأعظم منها، ويطرح هواجس وقلقاً حول الدور والأهداف التي تنوي إيران الإضطلاع بها، وحول سياسة حافة الهاوية التي تمارسها إيران والخوف من أن تنحدر المنطقة برمتها إليها.
مقلا عن موقع "الشفاف"

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

ايران المتعثرة بين التراث والحداثة - مقال لمحمد فلاحيه

أمام المد القومي (المقصود بالمد القومي ليس الشوفيني منه بل المد الذي يفضل الوطنية عن حكم المذهب) الايراني اللثام عن ازمة متخفية منذ امد طويل يصل عمرها الی عمر الجمهورية الاسلامية الايرانية التي جاءت على انقاض الحكم الملكي والذي كان يمثل التيار القومي ليس برمته لكن بأحد أوجهه. فمن خصوصيات هذا المد القومي الايراني، واقصد بمعظم تياراته، معاداة الاسلام والعرب والدعوة الى تغيير جذري في الثقافة الايرانية والعودة الى الماضي التليد. والآن، وبعد مرور 3 عقود على استيلاء المد الديني في ايران- وطبعا هذا المد فيه عدة تيارات، من بينها اليسار الديني واليمين الديني والوسط الديني- ظهرت الى السطح بعد مجيء الثورة الاسلامية نظرة قومية ذات طابع شوفيني تستعدي العرب وتركز على القضايا الوطنية دون غيرها وتهدف لابعاد ايران عن قضايا الاسلام والمنطقة العربية .
والتيار الديني الذي طالما عارض فكرة عزل ايران عن محيطه الاسلامي انقسم علی نفسه، فمثلا، كان اليمين الديني في بداية الثمانينات يدعو الى التعامل الوثيق مع العرب لمجابهة اسرائيل (آية الله طالقاني كان يرأس هذا التيار ويدعمه اليسار الديني في ايران أنذاك وعلى رأسهم "مجاهدي خلق")، بينما تحالف اليوم اليسار واليمين الديني في معاداة العرب. فدعوة ناطق نوري لضم البحرين لإيران توجّه اكثر راديكالية من قبل اليمين تجاه العرب. ولیت شعري، هل هذا العداء المستشری بین ایران والعرب یعود لضعف العرب فی التعامل مع ایران ام یعود الی قوة العمل الاستشراقي في تضخيم الهوة بين ايران والعرب (حيث يرى كاتب المقال، ولعل الكثيرين يتفق معه، ان حالة العداء بين ايران والعرب ظهرت في مطلع القرن الماضي وفي خضم العمل الاستشراقي لفرض الهيمنة على المنطقة كما هو الحال بزرع العداء بين العرب انفسهم ابان الحكم العثماني الذي كان يحاول تمزيق الصف العربي ببث الفرقة بين مسيحيين ويهود ومسلمين عرب). ولنعد لصلب الموضوع وهو ايران وتياراتها الدينية والسياسية المتعثرة بين الحداثة والتراث. مواقف اليسار الديني حيال العرب وقضاياهم في ايران اصبحت مكشوفة لكل متابع لملف ايران. فهؤلاء اصحاب نبرة لبرالية يتخوفون من العرب بسبب الرابط الديني وهو الاسلام. اما اليوم فإن ايران، التي يحكمها محافظون ترعرعوا في رحم التيار المحافظ التقليدي، تعتنق نفس النظرة المتشائمة حيال العرب. وباعتقادي ان التخوف او التشكيك حيال العرب في ايران بين جميع القوى الوطنية والقومية والليبيرالية يعود الى الحذر والترقب من دعم الدول العربية لقضايا العرب في ايران الذين يقطنون الجنوب ، ومعظم هؤلاء هم من الطائفة السنية. والخوف من المد الانفصالي في "الأهواز" (جنوب ايران) يزيد الطين بلة. وكوني صحفي انتمى لتلك المنطقة، وسجنت لـ3 سنوات بسبب تلك القضية، فإنني اريد طمأنة الايرانييين بان عرب ايران لا يريدون الانفصال وانما يريدون الحصول على ابسط حقوقهم القومية والانسانية، لا غير. في المقابل هنالك تيار متشعب من الملكيين يسمى "تيار رابطة الملكيين في ايران" ("انجمن بادشاهي ايران") يسخط بشكل غريب على العرب والاسلام، وكانت لي مجادلات مع هؤلاء، وكنا نزلاء السجن لكنهم غير متقبلين لحقوق القوميات في ايران بتاتا ويعرف عنهم بانهم متهورون .
اذا خرجنا من دائرة القوميين الايرانيين بكل أطيافها الديني او الوطني و سواء القومي الشوفيني او القومي الإثني، فسنجد ان ايران فيها وعي جماهيري متأصل وخاصة فيما يتعلق بالشرائح المدنية فرغم الكبت والاضطهاد الذي تتعرض له من قبل السلطات فانها تنشط بشكل مؤثر في الشارع الايراني. ومن اهم هذه الحركات المدنية الحركاتُ النسوية والعمالية والحركة الطلابية. وهذا، اذا صحت تسمية الاخيرة بالحركة لان في "الحركة" كما يرى علماء الاجتماع مواصفات منها سياسية او طبقية اواجتماعية. فالحركة الطلابية لا تحدد مطالباتها ودائما تسير في فلك تيار الإصلاح وتتبع لتيارات اليسار، الديني منه او الاشتراكي. وهذا رغم اعتزازي بكل الحركات الطلابية، فانها قدمت الكثير من السجناء والمعتقلين وتضحياتها لا تحصى ولا تعد خدمة لمطالبات الشعب. اما بالنسبة للحركة النسوية فببكونها حركة تدور حول محور المطالبات الفئوية التي تطالب بمزيد من الحرية للمرأة الايرانية فان هذه الحركة الفمنية تعرضت بعد مجئ احمدي نجاد لضغط متزايد من قبل اجهزة الامن والمحاكم الثورية وقدمت تضحيات جسام في سبيل نيل مطالبها المدنية ومازالت تواصل طريق التجديد وتوعية شريحة النساء بامكاناتها المتواضعة ورغم اتفاقها مع الحركة العمالية، الا ان الحركة العمالية- بزعيمها "منصور اسانلو" الذي كان نزيلا معي في "قاطع 350" بسجن "افين"- الحركة العمالية تدور في فلك الاشتراكية الا ان الحركة النسوية الايرانية حركة لبرالية تحررية واما اليسار الطلابي واقصد باليسار "الفكري" لا "الديني"، فهو يتفق مع العمال. ومطالبات هاتين الجبهتين موحدة، الا ان الحركة النسوية في ايران تتفق مع اليمين الفكري الليبرالي الطلابي والذي ينشط في جامعتي "طبطبائي" و"بلي تكنيك" (امير كبير). وقادة هاتين الحركتين ايضا التقيت معهم في السجن، وكانوا متفهمين لقضايا القوميات مثلهم مثل اليسار الطلابي.
واما في ما يتعلق با لقوميات الايرانية فانها تتفق مع اليسار الفكري واليمين اللبرالي لان كلتا الحركتين ترفع شعارات التسوية بالحقوق والمساواة. وحتى ان البعض من التيارات الفكرية الايرانية ترفع شعارات يراها البعض اكثر راديكالية، وهي شعار الفيدرالية لايران .كما طالب المنظر الاصلاحي أنذاك سعيد حجاريان الذي قبع في السجن لمدة 109 يوماً بعد الانتخابات واطلق سراحه يوم امس، وغيره من المفكرين والسياسين الايرانيين في الداخل، فقد ازاحوا عن وجوههم العداء للقوميات الايرانية. وهذا الامر طبعا يعد من ابرزالتحولات الحداثوية في ايران ان صح التعبير، بعد اخذهم للفدرالية بعين الاعتبار. وهذا الامر يروق كثيرا للناشطين في المجال القومي الاثني في ايران
وهنالك تيار اكثر قبولا لقضايا العصر في ايران. ويركز هذا التيار اهتمامه حول محور حقوق الانسان ويضم شخصيات سياسية معروفة في ايران، من بينهم "ع
ماد الدين باقي"، و"شيرين عبادي" الحائزة على جائزة نوبل للسلام، وقادة حركات نسوية وصحفيين وقادة احزاب وحركات مثل المهندس "طبرزدي" وقادة احزاب وناشطون من "الجبهة القومية الايرانية" التي اسسها قادة ومناصرون للدكتور مصدق، الزعيم التاريخي لتلك الحركة. يتفق كل هؤلاء حول المحور الحقوقي وبيان حقوق الانسان، وتدور مطالبهم حول تعديل الدستور الايراني ليصب في اتجاه مراعاة حقوق الانسان وحرية التعبير والنشر والمعتقد وحرية المذهب.
اضافة لكل هؤلاء ظهر بعد الانتخابات الايرانية وما اعقبها من مآسي، تيار ديني يتزعمه المرجع الروحي آية الله "منتظري" وآية الله "صانعي" وآية الله "دستغيب". يتفق هؤلاء على مشروع احترام حقوق المعارضة واعادة الانتخابات واعطاء مزيد من الحريات للشعب الايراني. فخروج التيار التقليدي الايراني من صمته والوقوف بوجه الاستبداد وكبت الحريات ظاهرة فريدة من نوعها لم تشهد لها البلاد لا في السابق القريب ولا البعيد، وهذا الامر يبشر بكل خير. فالتحالف بين التيارات التقليدية والتيارات الحداثوية في ايران سيتجه بهذا البلد نحو بر الامان، وسيبعث على الامل بان تؤسس جمعيات المجتمع المدني اطارا لا يستطيع ان يعبث به شخص مهما كانت سلطته او سطوته. وتجربة ايران في إعلان اول دستور متحضر قبل 100عام، قبل غيرها في المنطقة، سوف تمنح الخبرة لعقلاء هذا البلد بان يؤسسوا دستورا ونظاما لايستطيع شخص التفرد بتحطيمه سواء كان هذا الشخص ملكاً ام "ولي الفقيه وكل ذلك يتحدد في الوقت الراهن بالمؤج بين الحداثة والتراث للتوصل الى صيغة ترضي كل الاطراف وكل التيارات سوف نبحث في المقال القادم بالتفصيل ما يجري الان في ايران من تطورا ت واحداث تستحق العناية والتركيز مهما بحثت من قبل المحللين فهي تستحق ان تدرس بعناية دراسة مركزة ومن قبل اشخاص يتعايشون معها يوميا
أما التقليديين الذين لم اخصص لهم مساحة كبيرة في المقال، فهم دعاة الفكر المتطرف الذي لا يساوم، والذي يرى كل تجدد وحداثة على انها خطر قادم من الغرب. وهم يرفضون فكرة اعطاء الشعب حريته، ويرون ان انتخاب الشعب ليس مشروعا وان الشرعية لله يمنحها لولي الفقيه او رئيس البلد. ويتزعم هذه الفكرة الزعيم الروحي اية الله مصبا ح يزدي، ملهم الرئيس الايراني الحالي احمدي نجاد، وبعض من انصاره الدينيين في "قم". اما بقية المراجع الدينيين فيتقبلون العصرنة واثرها على الحكم والحياة.
الفكر الشوفيني الايراني (أمثال "بان ايرانيسم وانجمن بادشاهي ايران") يشبه الى حد بعيد التيار الديني المتزمت والمنقلق على نفسه. فالاثنان لا يؤمنان بحق الشعب في تقرير مصيره ويرفضان الحداثة والعصرية. فهذا الصراع بين الحداثة والتراث مستمر لا فائز فيه. الفائز الوحيد من يتكيف مع العصر، والخاسر الوحيد هو من يسير بعكس التيار.

نقلا عن موقع "الشفاف"

الخميس، 1 أكتوبر 2009

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2009

طبطبائي ينتقد حكومة نجاد لاهتمامها بالطاقة النووية


وجّه حجّة الإسلام سيد مهدي طباطبائي شيرازي، الذي يعرفه الإيرانيون بسبب عظاته الأخلاقية على التلفزيون الرسمي الإيراني، انتقادات عنيفة للرئيس محمود أحمدي نجاد ومساعديه، وذلك في نقاش تمّ بثّه مباشرة على القناة الثانية في التلفزيون الإيراني.
أخطر ما جاء في كلام حجة طباطبائي هو التشكيك علنا ومن خلال التلفزيون الحكومي بـ"أولوية" مسألة الطاقة النووية، وهذا غير مسبوق في إيران.
وردّا على تركيز النظام على الطاقة النووية، قال طباطبائي: "لماذا تصرّون على شيء لا يمثّل أولوية وتُخفون ما يمثّل أولوية حقيقية خلفه؟" وأكمل قائلاً إن حق الناس في الزواج والحصول على منزل وعلى عمل يعتبر أولوية أهم.
خطورة هذا الكلام من رجل دين محسوب على النظام هو أنه يعكس ما تفيد المعلومات الواردة من طهران من أن الشعب الإيراني بات يعتبر مشروع الطاقة النووية مشروع أحمدي نجاد ومرشد الثورة آية الله علي خامنئي، وليس مشروعاً وطنياً إيرانياً ينبغي الدفاع عنه. وهذا التطوّر يسقط حجّة الغرب الذي كان يتخوّف من أن توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية سيدفع الإيرانيين للإلتفاف حول النظام.
كذلك، يلفت حديث طباطبائي النظر إلى تخوّفه الشديد، مثله مثل معظم المراجع الدينية في قم، من أن سياسات النظام تُبعد الناس عن المذهب الشيعي. وحول هذه النقطة التي أصبحت شبه كابوس لكبار رجال الدين (بعد أن أصبحت المساجد خاوية في ساعات الصلاة)، قال: "أودّ أن أطلب من الشعب أن يسامحني إذا كنت قد قصّرت في تأدية واجبي للحؤول دون ابتعاد الناس عن الإيمان".
أخيراً، وفي تلميح شفاف إلى أحمدي نجاد، يقول طباطبائي: "من يتقلّد منصباً ليس مؤهلاً له يجدر به أن يتنحّى عن مسؤولياته، بدلاً من أن يتّهم الآخرين".
وفي مطلع الحلقة، قال طباطبائي لمقدّم البرنامج مرتضى حيدري: "أريد أن أوضح بأنني لا أسمح لك باستخدام ما سأقوله في هذه الحلقة من أجل ما تفكّر به أنت".
وردّاً على سؤال حول كيفية انتشار "الشائعات" في المجتمع، قال طباطبائي: "حينما تكرّر العزف على نفس الموضوع، فإنك تخلق شكوكاً لدى المستمعين. لقد هنّأت الرئيس أول مرة لإعادة إنتخابه، وذلك يكفي. فلماذا تلحّ وتكرّر أن الملايين شاركوا في الانتخابات واقترعوا لشخص معيّن قبل أن تعود لتهنئته مجدّداً؟، كم مرّة ستعبّر عن تقديرك لمشاركة الناس الكبيرة. هنالك مَثَل يقول: لقد أخبرتني مرّة، فصدّقتك. وأخبرتني مرة ثانية، فبدأت الشكوك تساورني. وفي المرة الثالثة، بتّ متأكّداً أنك تكذب. من الأفضل لرجل بات الآن رئيسا للبلاد أن يسأل الذين أيّدوا خصومه ماذا يريدون لكي يستطيع، كرئيس، أن يعبّر عن وجهات نظرهم أيضا". وأضاف: "الأنبياء كانوا متواضعين، وأظهروا اللين حينما تعرّضوا للهزء والسخرية. نحن لسنا أنبياء، ويجدر بنا أن نعتذر للشعب، على التلفزيون، عن الأخطاء التي ارتكبناها".
وعاد مقدّم الحلقة، الذي بدت عليه الصدمة من كلام طباطبائي ليسأل عن أسباب انتشار "الشائعات" في المجتمع. وأجاب طباطبائي قائلا: "المجتمع يشبه جسم الإنسان. حينما يعمل بصورة جيدة فإنه يكون متوازناً. ولكن حينما نعبّر عن نزعات متطرّفة فإن النتائج تكون مثل ما نراه اليوم. أنت طبيب، ولذا فأنت تعرف أنه لا ينبغي لك أن ترشّ الملح على الجُرح، بل عليك أن تضمّده. لا نستطيع أن نَخفض رؤوسنا وأن نظن أن الناس لا يرون حقيقة ما نفعل. كلا، الناس يفهمون الأمور جيّداً. لا ينبغي أن نقول أن كل ما يقوله الشعب هو أكاذيب. أريد أن أقول للناس أن هنالك طرقاً أسهل وأقل تعقيداً لكي يُسمِعوا أصواتهم. ولكن الشخص الذي يكذب يبدّل رواياته باستمرار ويشعر بالذعر. ليشهد الله على أنني استخدمت هذه الفرصة لأقول كل ما ينبغي قوله".
وأضاف "الشخص الضعيف وغير القادر على ممارسة مسؤولياته يتّهم الآخرين دائماً. من يتقلّد منصباً ليس مؤهلاً له يجدر به أن يتنحّى عن مسؤولياته، بدلاً من أن يتّهم الآخرين. لا تظنّ أنني مستعد أن أفعل أي شيء من أجل الجمهورية الإسلامية ومن أجل الحفاظ على المؤسسة. كلا. كثيرون يسألونني لماذا لا أتقلّد منصباً رفيعاً مع أنني من قدامى رجالات الثورة. وأنا أجيبهم دائماً: لأنني لا أعرف كيف أزحف للحصول على منصب".
وهنا طلب مقدّم الحلقة من طباطبائي أن يقول للناس من هو الشخص الذي كان "القائد" (خامنئي) يفكّر به حينما أعلن أنه "لا ينبغي نشر الشائعات عبر توجيه الاتهامات".
فرد طباطبائي بأن "القائد" كان يخاطب الأمة كلها، بما فيها الأشخاص العاجزين والغاضبين. وأضاف: "لا ينبغي لك أن تكثر التفكير في هذه النقطة وأن تصمّم على تحديد شخص معيّن كان القائد يقصد تحذيره هو بالذات. حينما يعود طفل من المدرسة إلى البيت وينادي أمّي ولا يردّ عليه أحد، فإنه يكرّر النداء. وفي المرة الثانية، فإنه يرفع صوته ويظهر عليه ردّ فعل. وفي المرة الثالثة، فإنه قد يشرع حتى برمي الصحون.. لماذا لم تسمعوا نداء الطفل من المرة الأولى حتى أصبحتم مضطرّين الآن للقيام بما تقومون به؟ ما أريد أن أقوله هو أنه ينبغي معالجة الوضع وليس دفعه نحو مزيد من السوء. وللحؤول دون زيادة التوتّرات، ينبغي لنا أن نسعى لإعادة الهدوء المفقود".
وأضاف: "الطاقة النووية مسألة مهمّة وهي حقّ لنا لا يجوز التنازل عنه. ولكن أليست القدرة على الزواج وبناء منزل والحصول على وظيفة، هي حقوق لا يمكن التنازل عنها أيضاً؟ أليست لهذه المسائل أولوية على الطاقة النووية؟ لماذا تصرّون على شيء لا يمثّل أولوية وتُخفون ما يمثّل أولوية حقيقية خلفه؟ حينما عاد الإمام الخميني إلى البلاد، فإنه لم يقُل: جلبت لك الطعام والماء، لأن الناس كانوا في بحبوحة آنذاك. بالأحرى، فقد قال: لقد جلبت لكم الروحانية. في ذلك الحين، كانت الروحانية في خطر، ولذلك كانت الأولوية للإيمان في ذلك الحين".
وهنا سأل مقدّم الحلقة عن كيفية انتشار الشائعات والاتهامات في صفوف النخبة، فأجاب:
"لا ينبغي أن نعتبر أن أي تقرير وأي اتهام بمثابة إطلاق مزاعم. بالأحرى، علينا أن نأخذ التقرير ونحقّق حوله، لأننا إذا لم نفعل ذلك فستتوقّف التقارير. إن ديننا نفسه ينصحنا بتحمّل المسؤولية. للحؤول دون انتشار الشائعات علينا أن نتوقّف عن ترديد أشياء غير مهمّة تخفي خلفها أشياء مهمّة. إن أفعالنا لا ينبغي أن تكون من النوع الذي يُبعِدُ الناس عن الإيمان. إنهم يسألون: لماذا ظلّت النخبة صامتة؟ أنا لا أعتبر نفسي من النخبة، ولكن ماذا كان بوسعنا أن نفعل؟ أن نخرق الصمت لكي تشهّروا بسِمعتنا؟ ولكي تدمّروا مصداقيّتنا؟ إذا كنتم تريدون أن تعيدوا الإيمان للناس، فعليكم أن تفعلوا مثلما حصل في مطلع الثورة: استخدموا السياسيين للسياسة. أما شؤون الدنيا، فاتركوها لـمراجع التقليد. الدين ينبغي أن يُترَك لرجال الدين، وليس للعامّة. أنا لا أعرف شيئاً عن الهندسة، ولذا فإنني لا أتدخّل في الشؤون الهندسية. والشيء نفسه ينطبق على شخص لا يعرف شيئاً عن الدين. فعليه أن يمتنع عن إبداء آرائه في الشؤون الدينية".
وأضاف "ينبغي للسيد (إسفنديار رحيم) مشائي أن يكتفي بالتعبير عن آرائه في حدود ما يفهم به وألا يتعدّاها إلى سواها. مؤخراً، كتب هذا السيد (أحمدي نجاد) في رسالة أن حكومته هي أكثر حكومات القرن الماضي ورعاً وإيماناً. ماذا يعني ذلك؟ حاشا الله! هل يعتبر نفسه أكثر ورعاً من الإمام الخميني؟ لقد عشت حياتي ولم يبقَ لي الكثير. ولكنني أودّ أن أطلب من الشعب أن يسامحني إذا كنت - لا سمح الله - قد قصّرت في تأدية واجبي للحؤول دون ابتعاد الناس عن الإيمان".
نقلا عن موقع "شفاف"

الاثنين، 21 سبتمبر 2009

سلام أصدقائي الخونة - مقال لحسن فحص

سعيد حجاريان، محسن ميردامادي، بهزاد نبوي، احمد زيد آبادي، مصطفى تاجزاده، محسن امين زاده، عبدالله رمضان زاده، محسن صفائي فرهاني، محمد قوتشاني، محمد عطريانفر، محمد علي ابطحي، محمد رضا جلائي بور، فيض الله عرب سرخي،.... اسماء لا تتداعى فقط في الذاكرة، بل تستدعيها بقوة تلك الصور التي تنشرها الوكالات الايرانية للمتهمين بالثورة المخملية الذين تجري محاكمتهم هذه الايام في العاصمة الايرانية طهران.
من الذاكرة، عندما كانت الثورة الاسلامية الايرانية في اوج عنفوانها، وفي المرحلة التي كانت تواجه كما كبيرا من الرفض الدولي ومحاولات الاطاحة بها، كنا وكان الجميع في العالم الثالث المسكون بحلم الثورة والتغيير الثوري والمقاومة ومحاربة الامبريالية، يقبل من دون تردد او نقاش كل الاعمال التي تحدث في الداخل الايراني من اجل الحفاظ على الثورة وقيمها واهدافها، وكان الجميع يقبل من دون نقاش كل التهم التي توجه لاي معتقل والاحكام التي تصدر بحقه من قبل المحكمة الثورية الايرانية الاسلامية.
وقد وصلت الامور الى حد ادانة آية الله الشيخ حسين علي منتظري، نائب قائد الثورة وخليفته المفترض في قيادة الثورة بسبب اعتراضاته على بعض المحاكمات والاحكام الصادرة على بعض المعتقلين في سجون الثورة والتي انتهت باعدامهم جميعا، وقد تقبل معظم الذين يقفون الى جانب ايران في العالم، خصوصا في العالم العربي الموقف السلبي من منتظري والذي انتهى بعزله ولاحقا فرض الاقامة الجبرية عليه في منزله ومنع اقرب المقربين له من رؤيته.
واذا كان التنظير الثوري ومنطقه على مدى التاريخ يحاول ترسيخ مفهوم "الثورة تأكل ابناءها"، الا اننا ما نشهده في ايران هو محاولة لأسلمة هذا المفهوم الذي كرسته التجربة الماركسية الستالينية في الاتحاد السوفياتي وكذلك التجربة الكوبية في التعامل مع تشه غيفارا، من خلال الحديث عن مفهوم جديد هو "تساقط الثوريين الاوائل وصعود ثوريين جدد".
وينطوي هذا المسار الجديد على اشكاليات كثيرة والتباسات اكثر تعقيدا، حيث ان الثوريين الاوائل، ومن منطلق الحفاظ على تراث الثورة ومبادئها واصولها، يحاولون اليوم في ايران العودة الى الشعارات الاولى التي رفعت قبل الانتصار في العام 1979 وما فيها من ابعاد ديمقراطية وانسانية وحريات وتأكيد على دور الشعب في تحديد مسارات الثورة والدولة. وما تحاول ان تؤسس له هذه الشعارات من الخروج من منطق الثورة الى منطق الدولة الديمقراطية بكل مؤسساتها الدستورية والمدنية. في حين ان الثوريين الجدد، يحاولون التخلص من الارث الديمقراطي الذي تأسس مع قائد الثورة الراحل الامام الخميني والكتلة الاولى التي حملت المشروع معه، والاتجاه به نحو تحويل كل مظاهر العملية الديمقراطية الى مظاهر شكلية لخدمة هدف واحد يصب في اطار تعزيز الحكومة الدينية.
وعلى الرغم من كل الاعترافات التي ادلى ويدلي بها المتهمون في قضية التدبير للثورة المخملية ضد نظام الجمهورية الاسلامية والاقرار بالتهم التي توجه لهم في قاعات المحكمة هذه الايام، الا ان الهدف الاساس الذي يحاكمون من اجله يمكن في مكان اخر مختلف عما يدور الحديث عنه.
فسعيد حجاريان يعرف الكثير من التفاصيل عن قادة المرحلة الحالية من عمر الثورة وايران والنظام، فهو الذي قاد الحرب النفسية وعبأ الداخل الايراني خلال الحرب العراقية الايرانية، وهو الذي وضع الاسس الاولى لجهاز المخابرات الذي كان تابعا حينها لرئاسة مجلس الوزراء "نخست وزيري" وهو الذي اوصى بعدم تعيين (سعيد امامي) خلفا له بعد خروجه من وزارة الامن وبدء التنظير للمشروع الاصلاحي. وسعيد امامي هو الذي قاد عمليات الاغتيال للمثقفين والسياسيين بداية عهد محمد خاتمي في رئاسة الجمهورية والتي انتهت باعتقاله وانتحاره المدبر في سجن ايفين الشهير لطمس معالم الجهات التي كانت تقف وراءه.
لهذا السبب يحاكم سعيد حجاريان، اضافة لكونه كان من اول المنضمين للخلية التي قامت باحتلال السفارة الامريكية بعد ان اعلن الامام الخميني دعمه لعمل الطلاب وايد توجهاتهم السياسية. الى جانب انه تحول لاحقا وفي المرحلة الاصلاحية الى المنظر لهذه الحركة ومؤثرا في توجهاتها ما حدا بقوة التيار المتشدد الى تدبير اغتياله على درج مقر بلدية طهران عندما كان يشغل منصب نائب رئيس البلدية بداية عام 2000.
اما محسن ميردامادي، فانه يحاكم على مساهمته في قطع العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية والقيام باحتلال السفارة الامريكية، وليس غريبا ان تسكت كل الاصوات المدافعة عن الديمقراطية والحريات وكل جمعيات المجتمع المدني في الولايات المتحدة الامريكية امام هذه المحاكمة، لان ميردامادي يعتبر رمزا ارهابيا لا بد من مجازاته على فعلته، وهذه المحاكمة قد تعتبر محاكمة غير مباشرة لمرحلة وجود الامام الخميني على رأس الثورة وقيادتها وتبنيه للتحرك الذي قام به هؤلاء الطلاب واطلق عليه اسم "الثورة الثانية".
ويحاكم ميردامادي لانه اعاد النظر في بعض التصرفات التي حدثت في المرحلة الثورية الاولى واسلوب التعاطي مع المسائل الداخلية والخارجية، فرفض التضييق والحضر المفروض على حركة تحرير ايران، فذهب الى التحالف معها بعد توليه منصب الامين العام لحزب المشاركة، وقدم مراجعة موضوعية لما قام به من احتلال للسفارة الامريكية في طهران مع رفاقه السبعة الذي شاركوه في العملية والذين قدموا المراجعة ذاتها وانضموا الى التيار الاصلاحي وحزب المشاركة الى جانبه.
ويحاكم ميردامادي لانه قدم قراءة ديمقراطية لمفاهيم الثورة الاسلامية انطلاقا من الاسس التي وضعها الامام الخميني. وسعى لاعادة ترسيخها بعد ان شاهد محاولات جر الثورة والجمهورية الاسلامية بعيدا عن هذه المفاهيم.
ومن بين الوجوه التي تطل من داخل قاعة المحكمة تعلو فمها ابتسامة تحمل الكثير من المعاني والابعاد، وجه يحمل كل تجاعيد الثورة على محياه، انه بهزاد نبوي، القيادي في منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية، هذه المنظمة التي كان عناصرها ينشطون قبل الثورة في مقارعة النظام الملكي تحت اسم " منصورون " والذين تولوا المهمة الاولى في الدفاع عن الثورة بعد انتصارها امام مؤامرات ضربها، وشكلوا النواة الاولى لما بات يعرف لاحقا باسم "حرس الثورة الاسلامية" والتي تولت قيادة عمليات المواجهة في الحرب العراقية الايرانية وقدمت خيرة شبابها وقادتها.
ويحاكم بهزاد نبوي لانه آمن بموقف الخميني بعدم السماح "للعسكر والحرس بالتدخل في الشؤون السياسية" وحتى يكون مع زملائه مثل مصطفى تاجزاده وفيض الله عرب سرخي الذين يحاكمون الى جانبه، بعيدين عن هذه الشبهة قرروا الاستقالة او الخروج من حرس الثورة وتشكيل "منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية" التي كانت تعتبر الاكثر تشددا في ثوريتها ومواقفها، لتكون الشكل الذي ينظم عملهم السياسي والبقاء اوفياء لمن احبهم واحترمهم قائدهم الخميني.
ويحاكم محمد جلائي بور لان جده قدم ثلاثة من ابنائه شهداء في الدفاع عن الثورة، ولانه كان الطالب المميز والمتفوق في دراسته الجامعية ورفض الانضمام الى التعبئة الطلابية الجامعية " البسيج " وفضل ان يكمل دراسته العملية في بريطانيا على نفقة والده الذي يعتبر ابنا لاحد كبار تجار بازار طهران، واحد نشطاء التيار الاصلاحي وحزب المشاركة.
ويحاكم محمد قوتشاني، لانه شاب عصامي تحول الى محط انظار الحصافة في ايران والداخل، ولانه استطاع ان يكون محور النشاط الصحفي الاصلاحي وهو في سن الشباب.
يحاكم قوتشاني لانه تخرج من "نازي اباد" احد الاحياء الفقيرة في طهران، حيث كان يشاهد شبابا ثوريين يحملون هم الثورة والدولة على عاتقهم مثل سعيد حجاريان واكبر كنجي وعماد الدين باقي وكتب عنهم وعن تجربتهم ورافق كل التحولات الثورية والسياسية التي عايشوها ومروا فيها.
القائمة تطول، لكن الخوف من ان يقول هؤلاء كل ما يعلمونه وما يعرفونه، وان يسمع الناس ما يقولونه، فقد تحولت المحكمة الى محكمة غير علنية، لان القائمين عليها يدركون بان كل ما يقوله هؤلاء وما سيعترفون به لن يصدقه الناس، وان الاعترافات لا تمت للحقيقة بصلة، حتى وان وصلت الاعترافات حد ادانة انفسهم، وهذا ليس غريبا على الجمهور الايراني الذي عايش وعرف مثل هذه الاعترافات والمحاكمات في عمر الثورة وبات يدرك انه اخطأ في تصديق المحاكمات التي جرت في الماضي. وليس عجيبا ان تزداد شعبية الاشخاص الذين قدموا اعترافات امام المحكمة مثل محمد علي ابطحي ومحمد عطريانفر بدل ان تتراجع على الرغم من كل التهم التي توجه لهم.
في المقابل، وعلى الرغم من جميع محاولات تلميع صورهم، فان الجهات التي تقف وراء الاحداث الاخيرة والمحاكمات لم تستطع كسب ثقة الشارع الشعبي المؤيد لها باستثناء الجماعات المستفيدة , وتعرض موقع الحرس الثوري الذي كان ينظر له بين كل اوساط وتنوعات الشعب الايراني بنظرة احترام كونه يشكل ذراع ايران القوية والخط الاول للدفاع عن بلدهم.
وقد انتجت الاحداث الاخيرة ازمة لم تكن في حسابات الجهات التي وقفت وراء عملية اعادة محمود احمدي نجاد الى السلطة، وفضحت مشروعها الرامي الى الغاء الجمهورية الاسلامية بما تمثله من بعد ديمقراطي ومؤسساتي لصالح عملية تحويل ايران الى دولة خلافة اسلامية - ثيوقراطية تقوم على البعد الالهي والغيبي في اختيار قادتها، وتنزيل المشاركة الشعبية في هذا الاختيار الى الحد الادني والشكلي بحيث يكون دورها فقط الاستفتاء على هذا التعيين، واذا ما كان رأيها مطابقا لما يراه المختار يقبل به، اما اذا كان اختيارها غير مطابق فان المختار له حق التدخل وتصويب المسار باعادة اختيار الانسب حتى ولو كان على حساب رأي الشعب وانتخابه.
hassanfahs@hotmail.com

الأحد، 13 سبتمبر 2009

سروش: سوف نحتفل بانهيار الديكتاتورية الدينية

وجّه المفكّر الإيراني المرموق الدكتور عبد الكريم سروش، خطاباً مفتوحاً إلى مرشد الثورة في إيران آية الله علي خامنئي. ودعا سرّوش في خطابه إلى الاحتفال بـ"سقوط الطرق العنيفة" في الحكم، مضيفاً أن إعلان خامنئي بأن ما حدث بعد الانتخابات الرئاسية قد "أساء إلى كرامة النظام" هو أسعد نبأ سمعه في حياته.
في ما يلي مقتطفات من خطاب سروش لخامنئي، وقد نقل موقع "شفاف" عن الترجمة الإنجليزية، وقال بأن ذلك قد لا يفي سروش حقّه في هذا النص الرائع:

عرس الدم انتهى ودخلت العروس المزيّفة إلى مخدع الزوجية. صناديق الاقتراع ارتجفت ذعراً ورقصت الشياطين في الظلمة. انتظر الضحايا في أكفان دفنٍ بيضاء وصفّق السجناء بأذرع مقطوعة. رافق العالم العروسَ بحنق في عين وبكراهية في عين أخرى. بكت أعين الزمن وانسفح الدم على شرفة الجمهورية. ضحك إبليس. النجوم صارت سوداء وأخلدت الحكمة إلى النوم.
السيد خامنئي
وسط هذه الندرة في الحكمة والعدالة، فالكل يتذمّر منك، وأنا أشكرك... ليس لأنه ليس لدي شكاوى. لدي شكاوي، بل شكاوى كثيرة، ولكنني أرفعها إلى الله. إن أذنيك باتت صمّاء بفعل مدائح المدّاحين وعناقهم، ولم يعد هنالك متّسع لأصوات المشتكين. ولكنني بالغ الإمتنان لك. لقد قلت أن "كرامة النظام قد تأذّت" وأن الاحترام الذي كان يُحظى به قد اندثر. صدّقني حينما أقول بأنني، طوال حياتي، لم يسبق أن سمعت مثل هذا الخبر السعيد من أحد. تهانيّ لك لأنك أعلنت بنفسك عن بؤس الديكتاتورية الدينية ووضاعتها.
أنا سعيد لأن صرخات الذين استيقظوا باكراً وصلت أخيراً إلى السماء، وأشعلت نار الانتقام الإلهي. أنت مستعد للتضحية بكرامة الله لصيانة كرامتك. وأنت تقبل بأن يبتعد الناس عن الدين وعن التقوى شرط ألا يبتعدوا عن زعامتك وولايتك. وأن ينهار الدين، والتقاليد، والحقيقة، لكي يظل ثوب ديكتاتوريتك نقياً.
ولكن مشيئة الله لم تسمح بذلك. والقلوب المحطّمة والشفاه المكمّمة والدم المسفوح والأيدي المبتورة والتنانير الممزقة لم ترغب بذلك ولم تسمح به. الأتقياء والحكماء والأنبياء لم يكونوا يريدون ما تريده أنت. والمحرومون والمسحوقون والمضطهدون لم يسمحوا به.
انهيار وتآكل الخوف وشرعية حكم الفقيه كان أعظم إنجاز لانتفاضة الشرف على السلب وقد أيقط أسد الشجاعة والقوة النائم. لقد آذن وقت حصادِ مزرعة الحركة الخضراء. لقد تضرّعنا لله لكي يحدث ذلك، والله معنا.
ليس لانقلاب الموائد من دليلٍ أحلى وأرقّ من تحوّل جميع إحتفالاتك إلى جنازات. إن ما كان يثير ضحكك في الماضي بات الآن يدفعك إلى البكاء والإرتعاش. إن الجامعة التي كُنتَ ترجو أن تضفي عليك المدائح باتت كابوسك. مظاهرات الاحتجاج في الشوارع، والتجمّعات الدينية، ورمضان، ومحرّم، وطقوس الحج والعزاء، باتت جيمعاً رموزاً لطالعك السيء وهي تعمل كلها ضدك.
نحن جيل محظوظ. سوف نحتفل بانهيار الديكتاتورية الدينية. وفي أفقنا الأخضر يلوح مجتمع أخلاقي وحكومة غير دينية.
نقلاً عن موقع "روز" الإيراني