الأحد، 10 يناير، 2010

جمهورية إسلامية ما قبل يونيو، جمهورية إسلامية ما بعد يونيو - مقال لمحمد حسن فلاحية

إطلاق نار على مرشح إنتخابات رئاسية، صادق مجلس صيانة الدستور على ترشيحه تعد سابقة خطيرة لم تشهد لها البلاد من قبل. فــــ"كروبي" كان فيما مضى يمثّل أية الله الخوميني في العديد من المؤسسات الحكومية بالجمهورية الاسلامية ولكن أصبح بعد يونيو 2009 من المغضوب عليهم بسبب دفاعه عن حقوق الايرانيين وتقديم لائحة عريضة له أثناء الانتخابات يعترف خلالها بحقوق القوميات الايرانية وحقوق الانسان. وهي أيضاً خطوة لا سابق لها ولم تجربها الجمهورية الاسلامية من قبل؛ فهذه المطالبات بتغيير واقع الجمهورية الاسلامية كان الهدف منها تعايش هذا النظام مع الواقع الدولي وهذا ما لا يرغب به المتطرفون في النظام والذين يديرون دفّة الحكم حالياً.
بعد يونيو حدثت إعتقالات واسعة طالت الصحفيين والسياسيين والاقليات الدينية والإثنية. ولكن التهديد بإعدام المحتجين وإصدار صفة "المحاربين" لمن يخرج سلمياً في الشارع هو أمر غريب تنتهجه السلطات الايرانية وتناقض واضح مع مبدأ التعبير عن الرأي عبر المظاهرة السلمية والوارد في المادة 27 من نفس الدستور الايراني ويثير دهشة المتتبع لمجريات الاحداث والتطورات في هذا البلد التي تسير رحاها بسرعة فائقة.
قبل يونيو 2009 تتشبث السلطات بحرية الرأي وإحترام كرامة الانسان وسعة صدر النظام في قبول الاخر. وهذا ليس كلامي طبعأ، بل خز كلام مسؤولين صدر قبيل إجراء الانتخابات. ولكن بعد الانتخابات نلاحظ تصرفا حكوميا في الشارع على نقيض مع الدعاية التي أطلقها النظام لتجميل وجهه. واليوم نرى أن الخشية من الضغط الدولي والاقليمي وفقدان شرعية النظام قد تبخّرت وراحت قوى الامن مطلقة العنان تقتل المتظاهرين في الشارع بدم بارد وتطلق النار على مرشح رئاسي دون محاسب ورقيب وتنتهك الشرطة حقوق المعتقلين في كهريزك وغيرها دون أن يقدم أحد إستقالته ولو بصورة تمثيل لاقناع الرأي العام على الاقل. الى أين تسير البلاد، لاأعرف ؟!! فاليوم خيوط اللعبة وفصل الخطاب بيد من؟ من يقتل الناس في الشارع؟ من أطلق النار على كروبي؟ من المسؤول عما جرى بعد يونيو /حزيران ؟ ومن يحكم إيران اليوم؟....
بُعيد الاعلان عن نتائج الانتخابات كانوا يقولون أن الولي الفقيه هو "فصل الخطاب" وارتفع صوت رئيس تحرير صحيفة "كيهان" وممثل الولي الفقيه في هذه المؤسسة، "حسين شريعتمداري"، الذي يطلق العنان لقلمه لكي يكتب كيفما يحلو له ، بدون رقيب طبعاً، ليهدد بإعتقال الصحفيين والسياسيين. ويحدث ذلك والكل ظلّ يصدق بأن "شريعتمداري"، المحقق السابق بالمخابرات، يبدو أنه هو الذي يصدر الاوامر بإعتقال هذا وذاك. واليوم يكفّر كل من يخالفه الرأي وصار مثل بوش الذي قال في كلمته الشهيرة "من ليس معنا فهو ضدنا"، وسارت إيران وتسير بهذا الاتجاه نحو الانغلاق . ومن ثمار ما بعد يونيو أن تحول شعار الطلبة المعارضين الذين باتوا لا يهابون السجن ولا يخافون الاعتقال إلى "أصبحت جامعاتنا سجون وسجوننا جامعات". واستمر إعتقال الطلبة دون توقف وإمتلأت السجون بالطلاب والحركات الأخرى والجمعيات الحقوقية والصحافية التي تدافع عن حرية الصحافة أمثال "شمس الواعظين" و"عماد الدين باقي" و"أحمد زيد أبادي". وإعتقل أبرز الناشطين الطلبة على راسهم "مجيد توكلي". وكان النظام يظنّ بأن الحركة الخضراء ستواجه خللاً إعلامياً لكن دون جدوى هذه المرة أيضا. واستمرت الاحتجاجات بصورة أكثر مما كانت عليه. وجاء خبر القرصنة التي قامت بها دوائر أمنية ضد هؤلاء ولم يتفاجأ الايرانيون الذين إنتهجوا طريق الحركة الخضراء. وأيضاً تضاعفت الرقابة على الانترنت والتنصت الذي تديره القوى البوليسية في إيران باستخدام "التويتر"وشركات إتصالات مثل "الزيمنس والنوكيا" للرقابة على تحركات المعارضة. لكن هذا أيضاً لم يثن الحركة عن مواصلة نشاطها. وتبين لنا صور دهس المحتجين بسيارات الشرطة وإطلاق عيارات نارية حيّة ضد المتظاهرين والمحتجين على نتيجة الانتخابات بشكل سلمي. واستمر الكم الهائل من تهديد الناشطين والمعترضين وكل هذه الاساليب لم تجن ثمرة خططت لها السلطات.
واليوم يضغطون على رجال الدين "صانعي و دستغيب و..". لإسكات هؤلاء، قاموا بتهديد عوائل القادة الايرانيين وحتى خطف وقتل أقاربهم مثلما حدث لــ"مير حسين موسوي" باغتيال إبن شقيقته لكن دون جدوى. فالايرانيون ماضون بطريقهم نحو تحقيق نصر في نهاية هذا النفق الذي تبدو في نهايته علامات واضحة من الانفراج.
واليوم تركّز الحكومة ضغوطها لقمع الصحافة، حتى تلك التي تنطق بإسم المحافظين. فعلى سبيل المثال، توجيه رسالة إنذارالى صحيفة بمستوى وبحجم صحيفة "جمهوري إسلامي" التي كانت تنطق باسم الجمهورية الاسلامية. كيف يمكن تفسير مثل هذا النمط الذي تنتهجه جماعة متطرفة موالية للحكومة وترفع شعارات العدل لايران وتوزيع الثروات لكافة المحرومين وقطع دابر الاستغلال المالي من قبل جماعات المافيا وتقدّم مشاريع لإدارة العالم بأسره وهي غير قادرة على إدارة نقطة صغيرة بطهران؛ كيف لنا معرفة ما يدور في إيران بعد يونيو وظهورموجة جديدة الى السطح كانت في السابق في صلب النظام واليوم أصبحت تواجه النظام، والانشقاق الواضح بين قيادات النظام كيف يمكن تبريرهذا الشرخ بين قيادات النظام في إيران وكيف يمكننا فهم إيران بعد يونيو وظهور جمهورية إسلامية مابعد يونيو؟ إذا عدنا الى الوراء ونظرنا ماحدث في إيران قبل 79، فسوف نجد إجابات واضحة وشفافة لما يدور في إيران اليوم. ووجه الشبه في إيران ذلك الوقت وإيران اليوم إنها ثورة في قلب ثورة وسوف تستمر. ولن تنتهي هذه الثورة التي بدأت بعد يونيو 2009 بهذه السهولة وربما ستستمر الحركة الاحتجاجية في إيران الى عدة سنوات، وهذا مايخطط له قادتها الخضر وبنفس عالية لنقل المعركة الى بيوت هؤلاء الذين يحكمون اليوم ولكن مهما يكن فهي تسير وفقاً لما يحلم به الايرانيون.
falahiya25@yahoo.com
* طهران
محمد حسن فلاحية معتقل سياسي سابق أطلق سراحه بعد 3 سنوات قضاها في سجن إيفن
نقلا عن موقع "شفاف"

حوار مع عالم الاجتماع الإيراني بهروز تبريزي: "لم تنجح ولاية الفقيه في أسلمه المجتمع الإيراني"


لم يؤد نموذج الدولة الذي وضعه آية الله الخميني والمسمى بـ"ولاية الفقيه" في النهاية بشكل مقصود إلى أسلمة المجتمع الإيراني وإنما إلى تحول براغماتي في الإسلام، كما يرى أستاذ التاريخ وعالم الاجتماع الإيراني في جامعة إلينوي الأمريكية بهروز غاماري-تبريزي. منى سركيس حاورت العالم الإيراني حول هذه الإشكالية.
"في الدول العربية، التي تعد علمانية رسمياً، لا يوجد في النهاية سوى حيز ضيق للفقه الإسلامي الخلاق والمتجدد، مقارنة في إيران التي أعلنت نفسها جمهورية إسلامية" بروفيسور غاماري-تبريزي، إلى أي حد يظهر التناقض بين التطلعات السياسية الدينية لرجال الدين والواقع الاجتماعي السياسي في الجمهورية الإسلامية؟
غاماري-تبريزي: من أجل الإجابة عن ذلك أرغب في أن أضرب مثالاً: بموجب الفقه الإسلامي التقليدي فإن الإجهاض يعد من المحرمات ولا يُسمح به، إلا إذا كانت حياة الأم في خطر. لكن في الحقيقة تبلغ حالات الإجهاض غير المشروعة بين النساء الإيرانيات قرابة 90 ألف حالة سنوياً، الأمر الذي من شأنه أجبر الدولة في النهاية على تخفيف القوانين المتعلقة بذلك في عام 2007. وفيما بعد لم يعد الإجهاض مسموحاً به في حالة وجود خطر على حياة الأم فقط، وإنما في حالة وجود تشوهات خلقية لدى الجنين، إن أمكن للوالدين إثبات عدم مقدرتهم على تلبية النفقات المالية لتلبية رغبات الطفل المعاق.
إذن يعني هذا نوعاً من خضوع التصورات الدينية-العقائدية إلى متطلبات المجتمع. ألا يمس هذا بشكل أساسي ركائز الجمهورية الإسلامية؟
تبريزي: لقد أنهت الجمهورية الإسلامية النظام العلماني في إيران، لكن في الوقت ذاته باتت العقيدة الإسلامية موضع تساؤل دائم، كما أنها باتت تقاس بالواقع السياسي. ونتيجة لذلك نرى أن أسلمة المجتمع أصبحت تشغل حيزاً أقل من ذلك الذي يشغله من التحول الذي يشهده الدين الإسلامي. ولم تكن هذا الأمر نتيجة مقصودة من الثورة الإسلامية، لكني أعتقد أن هذه النتيجة متعلقة بشكل كبير بالتأثيرات…
الأمر الذي سيؤدي بلا شك أيضاً إلى تخندق داخل أوساط رجال الدين وعلى الصعيد الديني-السياسي؟ لم ينجح نموذج الدولة الذي وضعه آية الله الخميني والمسمى بـ"ولاية الفقيه" في النهاية في أسلمة المجتمع الإيراني
تبريزي: لقد كان الارتباك كبيراً، وما يزال على هذا الحال حتى يومنا هذا. أتذكر حادثة غزيرة الدلالات: حين قام روح الله الخميني عام 1988 بتأسيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، من أجل التوسط بين برلمان الدولة ومجلس صيانة الدستور الذي يركز على الجوانب الدينية، توجه آية الله إمامي كاشاني، الذي كان عضواً في مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس صيانة الدستور بالقول: "أنا محبط وأشعر بالحيرة، ففي الصباح أراقب في مجلس صيانة الدستور فيما إذا كان يتم حفظ مصالح الإسلام، وفي المساء أراقب في مجلس تشخيص مصلحة النظام فيما إذا كان يتم حفظ مصالح الدولة. فأيهما له المقام الأول؟" وأجابه الخميني بالقول: إن حل المساء، أنس دورك الذي تؤديه في صباح اليوم التالي!"
حرك الخميني عملية، يصعب بشكل كبير السيطرة عليها. إن كلمة "علمنة" أستخدمها آية الله بيات عام 1981، حين تنبأ للخميني بأن تسييس الإسلام سوف يصب في دعم وجهة نظر "علمانية". كما يوضح مثال آخر إلى أي حد ذهب الخميني في ذلك:
حين تم إقرار قانون عمل يحد من الاستثمار ويضمن حقوق العاملين، وجهت إليه العديد من الانتقادات لأن الإسلام يضمن بشكل كبير الملكية الخاصة والاستثمارات وبأن من غير المسموح له التغيير في هذه العقيدة. وكانت إجابته: بعد نجاح الثورة الإسلامية فإن إدارة الدولة وفقاً للشريعة الإسلامية تعد أولى عقائد الإسلام. هذا كان ما كتبه من قبل إلى المتحدث باسم البرلمان، بعد عامين على قيام الثورة: "إن الجهة الوحيدة التي تقرر ما هو الإسلام من عدمه هو البرلمان المنتخب بأغلبية الثلثين".
وما هي التبعات على المدى الطويل التي نتجت عن هذه النقلة بالنسبة للمجتمع الإيراني؟ هل قاد ذلك إلى انبثاق ليبرالية دينية إلى حد ما؟ الشيعة عندهم هرم واضح لدرجات رجال الدين، الأمر الذي يمنح الفتاوى الصدارة عن رجال الدين الشيعة وزناً أكبر من مثيلاتها لدى نظرائهم السنة، كما يوضح تبريزي
تبريزي: إن الأمر يتوقف على كيفية تعريفنا للتدين. فالغرب ينتبه بشكل خاص إلى العاصمة طهران بشبابها الذين يرتدون آخر صيحات الموضة وبشعرهم المدهن والنساء بماكياجهن الصارخ. ولكن حتى بين هؤلاء الشابات والشباب يوجد الكثير من يقومون بتأدية صلواتهم اليومية. فالإسلام الشيعي هو إسلام إيراني في المقام الأول، ويختلف بشكل تام عن نظيره في العالم السني العربي. على سبيل المثال يحدد كل شخص في العالم الإسلامي أن أعياده تعد من أهم أيامه، باستثناء الإيرانيين.
فعيد الاحتفال بالسنة الجديدة لدى الإيرانيين يحل في الربيع، وهذا يعود إلى حضارة من زمن الأخمينيين (559-330 قبل المسيح)، وكان الربيع يحتل في هذه الحضارة أهمية تجارية خاصة. كما أن الطقوس الوثنية التي تعود إلى فترة ما قبل الإسلام ما تزال تتمتع بدور مركزي. وقد يبدو هذا الأمر متناقضاً بالنسبة للغرب والعالم السني، ولكن ليس للإيرانيين.
إن هناك فرقا آخر بين الشيعة والسنة، ويتمثل هذا في أن الشيعة يؤكدون على "الاجتهاد"، وهو التفسير المتجدد للقرآن والسنة. هل يعد هذا سبباً أيضاً في أنه لا يُعرف عن الدول العربية السنية تعاملها مع الدين من هذا المذهب العقائدي؟
تبريزي: المذهب الشيعي أعلن عدم غلق "باب الاجتهاد"، كما أن فيه هرما واضحا لدرجات رجال الدين، الأمر الذي يمنح الفتاوى الصدارة عن رجال الدين الشيعة وزناً أكبر من مثيلاتها لدى نظرائهم السنة. لكن الأمر الحاسم هو الخلط بين السياسة والدين في إيران. وهذا الاختلاط يضع الإسلام في إطار معرفي دائم للقرارات السياسية الاجتماعية. وهذا الأمر يعد بمثابة سخرية تلقب الأمور رأساً على عقب: ففي الدول العربية، التي تعد علمانية رسمياً، لا يوجد في النهاية سوى حيز ضيق للفقه الإسلامي الخلاق والمتجدد، مقارنة في إيران التي أعلنت نفسها جمهورية إسلامية، وهذا منذ عام 1979، بغض النظر تحت قيادة أي حكومة. كما أنها تقوم بتفسير الإسلام بشكل حي.
البروفسور بهروز غاماري-تبريزي: أستاذ التاريخ وعلوم الاجتماع في جامعة إلينوي الأمريكية. في عام 2008 صدر كتابه "الإسلام واختلاف الرأي في مرحلة ما بعد الثورة الإيرانية".
أجرت المقابلة: منى سركيس ترجمة: عماد م. غانم
عن موقع قنطرة

السبت، 9 يناير، 2010

الأهداف العشرة للحركة الإصلاحية الخضراء


فيما يلي أهداف الحركة الخضراء (المعارضة الإصلاحية) والتي جاءت في بيان أصدره 5 من كبار الشخصيات هم: عبد الكريم سروش، وعطاء الله مهاجراني، وأكبر جانجي، ومحسن كاديفار، في الثالث من يناير (كانون الثاني) الحالي: نحن نؤيد تماما مواقف قادة الحركة في إيران (موسوي وكروبي وخاتمي)، ونعتقد أن مطالب الحركة الخضراء المثلى في هذه المرحلة هي على النحو التالي. 1. استقالة السيد محمود أحمدي نجاد من منصبه كرئيس للبلاد، وإجراء انتخابات رئاسية جديدة تحت إشراف أجهزة محايدة؛ وإلغاء عملية الفحص للمرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور، وتشكيل لجنة مستقلة للانتخابات تضم ممثلين لأحزاب المعارضة والمحتجين، من أجل صياغة القواعد المنظمة لعقد انتخابات حرة ونزيهة. 2. الإفراج عن جميع السجناء السياسيين، والتحقيق في تعذيب وقتل المتظاهرين على مدى الأشهر القليلة الماضية في محاكم مفتوحة وفي وجود هيئة محلفين ومحامين عن الضحايا، وتعويض أولئك الذين تعرضوا للأذى وأسرهم. 3. إطلاق حرية وسائل الاتصال الجماهيري، بما في ذلك الصحافة، والإنترنت، والإذاعة، والتلفزيون؛ وإلغاء الرقابة على المطبوعات، والسماح للأجهزة الإعلامية المحظورة مثل الصحف، لاستئناف نشاطها؛ وإتاحة الفرصة لظهور أجهزة إعلام غير حكومية مثل القنوات الفضائية، ووضع حد للرقابة على الإنترنت وجعلها في متناول الجمهور، وتطهير الإذاعة والتلفزيون الرسميين من الكذابين والمحرضين.
4. الاعتراف بحقوق كل الجماعات السياسية المشروعة، مثل الطلاب الجامعيين والحركات النسائية، والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات العمالية، والسماح لها بممارسة أنشطتها المشروعة، والحق في الاحتجاج السلمي وفقا للمادة 27 من الدستور.
5. استقلال الجامعات (من التدخل السياسي)؛ وتسييرها بالطرق الديمقراطية من قبل الأكاديميين أنفسهم؛ وإجلاء القوات العسكرية وشبه العسكرية منها، وإلغاء التدخل غير القانوني للمجلس الأعلى للثورة الثقافية في شؤون الجامعات. 6. مقاضاة جميع المسؤولين عن تعذيب وقتل (الناس)، وأولئك الذين أمروا بارتكاب جرائم في الماضي، ولا سيما تلك التي وقعت على مدى الأشهر القليلة الماضية. 7. استقلال القضاء من خلال انتخاب (وليس تعيين) رئيسها؛ وإلغاء المحاكم الاستثنائية غير المشروعة (مثل المحكمة الخاصة برجال الدين)؛ وتطهير الجهاز القضائي من القضاة غير العادلين، ومنع مسؤولي السلطة القضائية من إلقاء الخطب السياسية وتنفيذ أوامر من أعلى المسؤولين (الرئيس والزعيم الأعلى)، بدلا من تطبيق القوانين بشكل عادل ومحايد.
8. حظر تدخل الجيش والشرطة وقوات الأمن في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، وأمرهم على العمل مهنيا.
9. استقلال المدارس والمعاهد الاقتصادية والسياسية، ومنع تسييس رجال الدين، وحظر استخدام خطب صلاة الجمعة للإساءة للأديان أو إصدار أوامر غير مشروعة. 10. انتخاب جميع المسؤولين الذين يجب أن يصبحوا قابلين للانتقادات، والحد من عدد من المصطلحات التي يمكن أن تكون منتخبة.
- عدم الاستجابة لهذه المطالب وزيادة العنف، والقمع والقهر لن يساعد في عدم تجاوز الأزمة الحالية فقط، بل سيؤدي أيضا إلى تعميق الأزمة مع عواقب مؤلمة، يتحمل الزعيم الأعلى مسؤوليتها.
روبن رايت*
أصدر خمس من الشخصيات البارزة بحركة الإصلاح الإيرانية بيانا من 10 نقاط، يوم الأحد الماضي، يدعون فيه إلى استقالة الرئيس محمود أحمدي نجاد، والحد من سيطرة رجال الدين على نظام الاقتراع واختيار المرشحين.
ومن بين الموقعين على البيان عبد الكريم سروش، وهو مؤسس حركة الإصلاح الأكاديمي. وفي مقابلة معه تنشرها «الشرق الأوسط»، تحدث سروش عن ملابسات ذلك البيان الذي يدعو إلى الاعتراف بالجماعات السياسية، والطلابية، وغير الحكومية، وجماعات المرأة، واتحادات العمال، كما دعا إلى تحرير وسائل الإعلام، واستقلال النظام القضائي بما في ذلك إجراء انتخابات عامة لاختيار رئيس القضاة. وقال سروش إن الحركة الخضراء قدمت عشرة مطالب، إذا تمت الاستجابة لبعضها سيتغير المشهد السياسي بأكمله.
ومن بين الموقعين على البيان - كل الإيرانيين الذين يعيشون خارج البلاد وقعوا عليه - عضو البرلمان السابق محسن كديور، ووزير الإرشاد الإسلامي السابق عطاء الله مهاجراني، والمحقق الصحافي أكبر كنجي، والمفكر الإسلامي بازراغان ابن رئيس الوزراء السابق.
* لماذا قررتم إصدار البيان في الوقت الراهن؟
- إننا في الشهر السابع لظهور الحركة الخضراء، وكنت أراقب وأصدقائي الأحداث عن كثب، كما كنت أتواصل على نحو دائم مع بعض الأصدقاء في إيران. وبعد الاحتجاجات التي وقعت في احتفالات عاشوراء في 27 ديسمبر (كانون الأول)، اتضح لنا أن اللحظة الراهنة قد أصبحت نقطة تحول، حيث قرر النظام أن يقمع الحركة الخضراء. فعلى سبيل المثال قتل ذلك النظام أحد المحتجين، وهو ما مثل رسالة قاسية للغاية بالنسبة لكل المتظاهرين والمدافعين عن الحركة الخضراء أو مؤيديها، مفادها أننا سوف نضرب بقسوة على يد تلك الحركة.
ومن جهة أخرى، كان أصدقاؤنا يسألوننا دائما على المستوى الشخصي: ما هي المطالب الحقيقية للحركة الخضراء، لأن الحركة الخضراء ظهرت فجأة على الساحة السياسية؟ فلم يكن هناك تخطيط مسبق لتلك الحركة، فقد كانت الانتخابات هي نقطة البداية، ثم أخذت الحركة تتطور منذ ذلك الوقت. وأثناء تطور تلك الحركة اتضحت بعض المطالب، ولكن لم يكن هناك ما يشير إلى ما يدور في عقول زعماء تلك الحركة.
وقد فكر خمستنا في أنه نظرا للعلاقة الوثيقة التي تربطنا بقيادات الحركة مثل مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، ومحمد خاتمي، ونظرا لأننا نعرف مطالبهم جيدا، فإنه يجب علينا البدء في إعداد بيان أو تصريح حول أهداف الحركة الخضراء.
وبالتالي، بدأنا إعداد تلك المسودة بالفعل، ثم أصدر موسوي تصريحه الشهير (عن أنه سوف يموت في سبيل الحركة إذا اقتضى الأمر) في الأول من يناير (كانون الثاني). ونظرا لأننا نعيش خارج البلاد، فنحن لا نخشى الحكومة، ولأننا نعرف ما الذي يدور في عقول الناس فقد قررنا أن ننشر تصريحنا لكي نوضح نوايا موسوي وأهداف الحركة الخضراء في الوقت نفسه.
* هل يعكس ذلك البيان آراء القيادة فقط، أم أنه يعكس آراء قطاع أوسع من مؤيدي الحركة؟
- هذه الحركة تعددية؛ تشتمل على كل الأطياف، حيث تضم مؤمنين، وغير مؤمنين، واشتراكيين، وليبراليين. وقد اتفقنا على النقاط الرئيسية المشتركة بيننا جميعا، ونحن ندرك تماما أن هناك الكثير من المطالب الأخرى التي ربما يتجاوز عددها ما أعلنا عنه بالفعل. وربما تطالب الحركة في المرحلة المقبلة بتنقيح الدستور، ولكننا في الوقت الراهن ملتزمون بإطار الدستور الحالي وحريصون على عدم تجاوز تلك الحدود.
وكان من بين الاقتراحات التي قدمناها على هامش مطالبنا الأساسية الاقتراح بأن يتم انتخاب رئيس جهاز القضاء بدلا من أن يقوم المرشد الأعلى بتعيينه، حيث اقترحت أنه إذا ما كنا سوف نطالب بتعديلات دستورية فيجب أن يأتي رأس النظام القضائي أولا عن طريق الانتخاب.
* ما الفارق الذي سيصنعه ذلك البيان؟
- سوف يجعل ذلك البيان الأهداف سواء قصيرة المدى أو بعيدة المدى أكثر وضوحا وتحديدا، ونحن نحتاج في هذه المرحلة إلى ذلك. فقد كنت أقول منذ سنوات بعيدة إن الثورة تفتقر إلى النظرية؛ فقد كانت مجرد حركة ضد الشاه - وبالتالي كانت وراءها نظرية سلبية وليست إيجابية. وأعتقد أنه يجب يكون لأي حركة أخرى في البلاد إطار نظري تستند إليه. فيجب أن يحدد الناس ما الذي يريدونه وليس فقط الذي يرفضونه. وبالتالي فنحن نحاول - بطريقة معتدلة - أن نضع إطارا نظرية لتلك الحركة؛ فتحديد الأهداف قصيرة المدى أو بعيدة المدى يعتمد على الأسس النظرية التي قامت عليها الحركة، ونحن لدينا نظرية حول الحرية. وبالرغم من أننا لم نضع تلك النظرية ضمن النقاط المتضمنة في ذلك البيان فإنها كامنة في كل نقاطه؛ حيث ستظل هذه الرؤية خفية على العين المسلحة أي عين النظام.
* ما التالي بالنسبة للحركة الخضراء؟
- لا أحد يعرف. فهناك الكثير ممن ينادون بأن يسلم زعماء الحركة الخضراء أنفسهم إلى المرشد الأعلى، ولكن ذلك لن يحدث. فيجب أن يستعد أولا كلا الجانبين لمفاوضات جدية. وهو ما يمكن أن يحدث في المرحلة المقبلة، فربما يتدخل الرئيس السابق أكبر هاشمي رافسنجاني لإجراء مفاوضات للمصالحة الوطنية.
* هل يمكن أن يقمع النظام الحركة الخضراء بالقدر الذي يقضي عليها تماما؟
- لا أعتقد ذلك. لأن الحركة الخضراء هي نتاج لحركة إصلاحية تم قمعها قبل ذلك؛ فقد بذل أحمدي نجاد أقصى جهد له لكي يقضي على كل أنواع الحركات الإصلاحية ولكي يبدأ عهدا جديدا، لكنه لم ينجح في ذلك، وظهرت لدينا الحركة الخضراء التي تعد نتاجا للحركة الإصلاحية.
أتمنى أن تدرك الحكومة أنه يجب عليها التفاوض مع الحركة الخضراء، وأنه يجب عليها التنازل عن بعض الأشياء لكي تنجح تلك المفاوضات. وأتمنى ألا تلجأ إلى العنف الذي يمكن أن يضر بالحركة الخضراء والبلاد على حد سواء.
* هل سيكون الجيل الجديد من الإصلاحيين راضيا عن التوصل إلى تسوية؟
- لكلمة تسوية دلالة سلبية. ولكننا إذا تمكنا من تحقيق أحد مطالبنا التي أعلنا عنها مثل حرية الصحافة سيكون ذلك كافيا لتغيير المشهد السياسي تغييرا جذريا وتغيير المناخ العام في البلاد. فإذا ما قبل النظام أحد مطالبنا العشرة - وليس جميعها - سيعمل ذلك على تثوير البلاد بأسرها. وربما يعمل إطلاق سراح السجناء (حيث إن هناك الكثير من الأشخاص الأكفاء في السجون) على تثوير المناخ العام.
* خدمة «غلوبال فيوبوينت»




الأحد، 3 يناير، 2010

نقاط موسوي الخمسة تحرج قيادة النظام

حسن فحص
اعلن زعيم تيار الخضر الإيراني مير حسين موسوي عن مبادرة من خمس نقاط لحل الازمة التي تواجهها إيران منذ الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية. اعلان موسوي تداعت معه احداث ووقائع تاريخية تقارب في ابعادها الابعاد التي ذهب لها موسوي في نقاطه الخمسة.
يروي المؤرخون ان المهدي ابن المنصور الخليفة العباسي الثالث وفي لحظة مراجعة محسوبة وفي محاولة لاستيعاب الحركة الاعتراضية للجماعة المؤيدة لآل البيت وابناء الامام علي بن ابي طالب، امر باستدعاء الامام موسى بن جعفر الكاظم الامام السابع لدى الشيعة الامامية.
وفي لعبة سياسية مدروسة كان الهدف منها التقليل من الدوافع الاعتراضية لدى البيت العلوي على السلطتين الاموية والعباسية واعتبارهما غاصبين للسلطة والخلافة، وكذلك تصغير اسباب الاختلاف إلى حدود الخلاف على ملكية قطعة من الارض اختلفت التفاسير حول طبيعة ملكيتها، فمنهم من اعتبرها – أي الشيعة - ارثا اعطاه الرسول لابنته فاطمة الزهراء، في حين استند الاخرون او اهل الجماعة على تفسير الحديث النبوي "نحن معشر الانبياء لا نورث وما تركناه صدقة" على اختلاف الرواية من اثبات للواو او اسقاط لها.
قدم المهدي عرضا للكاظم قد يراه البعض محاولة لحل الخلاف والنزاع بين البيتين العلوي والعباسي في تلك اللحظة، وقال للكاظم "اريد ان ارد عليكم فدكا"، غير ان رد الكاظم جاء مفاجئا حين قال له "بحدها وحدودها" فسأله: وما حدودها؟ فأجاب: إنّي إن حددّتها لم تردّها، فألحّ عليه المهدي، فحددّها الكاظم: الحدّ الأول: عدن إلى الجنوب. فتغيّر وجه المهدي، ثم قال: والحد الثاني: سمرقند إلى الشرق، فاربد وجهه، ثم قال: والحدّ الثالث: إفريقية إلى الغرب، فقال المهدي: والحدّ الرابع؟ قال: سيف بحر الخزر وأرمينية. عندها قال المهدي: لم يبق لنا شيء. فتحول إلى مجلسي. فكان جواب الكاظم: لقد أعلمتك بأنّي إن حدّدتها، لم تردّها.
وهو ايضا ما فهمه الرشيد بان ابناء علي بن ابي طالب يطالبون بالدولة والخلافة كلها، وان "فَدَك" باتت تعبيرا مجازيا عن الخلافة الاسلامية كلها، هذه الخلافة التي قال فيها الرشيد لولده المأمون "والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك". وبناء على موقف موسى الكاظم قام الرشيد بوضعه في السجن لاكثر من عشرين عاما الى ان توفي.
الدافع لهذا الاستحضار التاريخي ما صدر عن زعيم المعارضة الايرانية وتيار الخضر والرئيس المسلوب الاصوات في ايران مير حسين موسوي من مبادرة تتضمن نقاطا خمسة تشكل من وجهة نظره مخرجا مشرفا لحل ازمة التلاعب الذي حصل في نتائج الانتخابات الرئاسية في شهر يونيو / حزيران من العام الماضي 2009.
موسوي لم يتطرق في رسالته التي تضمن هذه النقاط الى موضوع نتائج الانتخابات، لكنه وضع حدودا خمسة لحل الازمة، تتلخص بالتالي :
1 – ان تعلن الحكومة مسؤوليتها المباشرة عن التقصير امام الشعب والبرلمان والسلطة القضائية بحيث لا تتلقى هذه الحكومة دعما غير معتاد لتغطية ضعفها وتقصيرها، وان تكون الحكومة مسوؤلة مباشرة عن اعطاء اجابات عن الازمات التي تسببت فيها للبلاد، واذا لم تكن الحكومة قادرة على تقديم اجابات للشعب والبرلمان واذا كانت عاجزة وغير كفؤ فان على البرلمان والسلطة القضائية التصدي لها في اطار الدستور.
2 – وضع قانون انتخابات شفاف يعزز الثقة، بحيث يساهم بإقناع الشعب بوجود منافسة حرة وعادلة وبلا خداع او تدخل، وعلى هذا القانون ان يضمن مشاركة كل الشعب بغض النظر عن اختلاف الاراء والافكار، وان يقطع الطريق امام التدخلات المزاجية والجهوية لمسؤولي النظام في كل المستويات، ويمكن هنا العودة الى تجربة السنوات الاولى للثورة في الانتخابات البرلمانية واعتمادها نموذجا لهذا الامر.
3 – اطلاق سراح السجناء السياسيين واعادة حيثيتهم وكرامتهم، وانني على يقين بان هذا الاجراء لن يفسر على انه دليل على ضعف النظام، ونحن نعرف ان تيارات سياسية وضيعة ستعارض هذا الحل.
4 – منح الصحافة ووسائل الاعلام الحرية ورفع الحظر عن الصحف الممنوع والسماح لها بالعودة للعمل، يشكل جزءاً من ضروريات هذا المسار، يجب التخلص من الخوف من حرية الصحافة، وهنا يجب التوقف عن التجارب العالمية في هذا المجال. توسيع القنوات الفضائية والوقوف على اهميتها وتأثير هذا النوع من الاعلام الحاسم وهو امر يكشف لنا فشل وعجز الاساليب القديمة التي تعاني منها مؤسسة الاذاعة والتلفزيون. ومن الممكن ان يكون التشويش والرقابة على الانتزنت مؤثرا بشكل مؤقتا، وان الحل الوحيد هو بان يكون لدينا وسائل اعلام متعددة ومتنوعة واعية وحرة داخل البلاد، الم يحن الوقت لاتخاذ خطوات جريئة مبنية على الثقة بالمفكرين والقوى الخلاقة في المجتمع وجذب انظارها المتعلقة بالجانب الاخر من العالم ودفعها بالعودة للاهتمام بما في الداخل من تطور وازدهار سياسي وثقافي واجتماعي؟
5 – الاعتراف بحق الشعب في اقامة التجمعات القانونية وتشكيل الاحزاب والتيارات تطبيقا للمادة 27 من الدستور. وان أي خطوة في هذا الاطار يمكن ان تتم من خلال التعاون بمشاركة جميع المهتمين بالبلاد، وهو امر باستطاعته نشر اجواء من الصداقة والمحبة الوطنية خلال الاشهر القادمة بديلا عن الاشتباك التي حدثت بين الشعب ومنظمة "البسيج" والقوى الامنية او الاشتباك بين ابناء الشعب.
في قراءة مبسطة لهذه النقاط الخمسة، يمكن القول ان موسوي لم يتخل عن مطالبه في اعادة النظر بنتائج الانتخابات والغائها او الدعوة لاجرائها من جديد، وهو المطلب المشترك الذي اجمعت عليه قيادة المعارضة الخضراء المتمثلة بمحمد خاتمي ومهدي كروبي و"حزب المشاركة" و"منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية". بل اعاد ترتيب الاولويات على اساس من احتياجات المرحلة وبهدف سحب الذرائع من الطرف المقابل الذي استدعى كل ما في جعبته من اسلحة دينية وعسكرية وقمعية. وبالتالي فقد اسقط كل الحجج التي يتذرع وتذرع بها النظام منذ ستة اشهر باتهامه المعارضة برفض الحوار والتحاور وانها تنفذ اجندة خارجية للقضاء على النظام الاسلامي.
موسوي بهذه الخطوة دفع بالكثير من القيادات الايرانية التي تقف الى جانب النظام مراعاة للتاريخ ووحدة الصف، للاعلان عن تأييدها لهذه الخطوة والطلب من مرشد النظام التعاطي مع مبادرة موسوي بايجابية كأرضية لحل الخلاف والانتقال بالبلاد الى اجواء من الوحدة والانسجام ووقف موجة الاعتراضات، وهو ما عبر عنه القائد الاسبق للحرس الثوري وسكرتير مجتمع تشخيص مصلحة النظام "محسن رضائي" في الرسالة التي وجهها للمرشد خامنئي طالبه فيها التعاطي بايجابية مع مبادرة موسوي، في منحى يذكر بالمبادرة التي اطلقها الشيخ هاشمي رفسنجاني في اول واخر صلاة جمعة له بعد الانتخابات الرئاسية. وقد اشار رضائي الى امكانية استغلال الفرصة التي اتاحتها مبادرة موسوي بتغييب الحديث عن تشكيكه بنتائج الانتخابات، الامر الذي اعتبره رضائي اعترافا من موسوي بحكومة احمدي نجاد، ودعا المرشد للالتقاط المبادرة والبناء عليها والامر بفتح حوار ينتهي بعودة اجواء الوحدة الوطنية الى البلاد.
وقد وضع موسوي قيادة النظام من المرشد ومسؤولي الحرس الثوري والجهات التي تقف وراء نتائج الانتخابات وعمليات القمع الدموية التي شهدتها شوارع طهران والمدن الايرانية الاخرى امام تحدي الاستجابة لهذه المبادرة، وفي حال رفضت فان هؤلاء المسؤولين، وخاصة مرشد النظام فان عليهم مواجهة الصعوبات الكبيرة التي ستظهر في المستقبل وسيحلق بهم الندم على تفويتها وتفويت غير من الفرص السابقة، والتي لن يكون في قدرة القيادات الاصلاحية الحالية السيطرة على مساراتها وتوجيهها.
والذي هدف منه موسوي في مبادرته هذه، التأكيد لقيادة التيار المحافظ التي تدفع باتجاه التأزيم والمواجهة الدموية، ان الحركة الاصلاحية او تيار الخضر لا يحمل مشروعا انقلابيا ضد نظام الجمهورية الاسلامية في ايران، بل ما الهدف الذي يعملون من اجله هو اصلاح الخلل الذي طرأ على هذا المشروع وانحرف به من مشروع ديمقراطي يضمن الحريات والتعددية الحزبية والفكرية الى مشروع لاقامة حكومة دينية وولاية الهية الغائية لا تعترف بالاخر او بحقه في التعبير والمشاركة.
وبالتالي اعاد موسوي تركيز الاسس المحركة لتيار الحركة الخضراء وابتعادها عن التيارات العلمانية وحدد ايضا استراتيجية حركتها الاعتراضية بانها حركة:
1 – غير متعجلة للتغيير، وهي المرة الاولى في التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر لايران، يظهر ان حركة شعبية واصلاحية تبدو غير متعجلة للوصول الى اهدافها ولا تسعى وراء الفوضى والثورة والانقلاب على النظام، وهذا نابع من قدرتها على تحديد منطلقاتها ومسارها والى اين تريد الوصول.
2 – عدم وجود قيادة كارزماتية واحدة للحركة، فخاتمي وكروبي وموسوي يتمتعون بالقدر نفسه من التأثير ولا احد منهم يدعي قيادة الحركة.
3 – عدم وجود فصل حاد داخل الحركة الخضراء "ابيض واسود" على العكس من المعسكر المقابل "المحافظ"، ففيها متسع لكل الاطياف الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تلتقي مع هذه الحركة في اهدافها وافكارها.
4 – لقد اثبتت الحركة الخضراء والاصلاحيين معها انها لا تخشى الوقوف بوجه النظام والتصدي للظلم وما تعتبره خرقا للدستور وحق المواطنة وحقوق الانسان، وقد برهنت الاشهر الستة الماضية هذا الامر وعدم قدرة الطرف الاخر التأثير عليها واخافتها.
5 – تعترف الحركة الاصلاحية بوجود تعددية في صفوفها وتسعى لتوظيف المشتركات لهذه التعددية لتصب في الاطار العام للحركة، ولا تنفي وجود متسلقين ومتقلبين، وهذا مرده عدم وجود ثقافة " القدسية او التقديس " لذلك فهي لا تعتمد على بناء تنظيمي او حزبي.
وفي حال التقط مرشد النظام هذه المبادرة، فلا بد ان تبدأ ورشة عمل واسعة لبحث ابعادها ومعالجة نتائج المرحلة السابقة والتي قد لا تقف عند الستة اشهر الماضية، بل تتعداه لتصل إلى كل المرحلة التي تلت وفاة المؤسس الامام الخميني.
الا ان هناك عوائق قد تعرقل او تمنع المرشد من الموافقة على هذه المبادرة، اذ ان كل الاجراءات التي طالت وتطال الصحف والصحفيين والناشطين السياسيين وعمليات القمع قد تمت بعلم منه وبموافقته، والموافقة على اعادة النظر بهذه الاجراءات بناء على مبادرة موسوي يعني اعترافا من المرشد بمسؤوليته عن هذه الاجراءات، فهل سيكون المرشد على استعداد للتنازل والقبول ليضع إيران على طريق الخروج من ازمة تطال وجود النظام، كما فعل موسوي، ام انه سيرفض ويشيح وجهه عن هذه الخطوة ؟ هذا ما ستجيب عليه الايام القادمة.
hassanfahs@hotmail.com

الأحد، 27 ديسمبر، 2009

الجمعة، 25 ديسمبر، 2009

الرجـل القيمـة أو القيمـة رجـلاً

هاني فحص
... بعد صلاة المغرب، في يوم صيفي حار، انتظرته مع صديقي المناضل الجزائري الكبير العباسي موفداً من الرئيس أحمد بن بله، في حديقة منزله الصغيرة في قم.. كان هناك شخص يصلي في طرف الحديقة بلباس منزلي شديد التواضع والبساطة، وليس عليه شيء يدل عليه. انتهى من صلاته وتقدم نحونا مسلماً... قفز العباسي من مكانه ليسلم وشرع في البكاء مندهشاً بهذه البساطة وهذا الترفع عن الدنيا... وعاد بالذكرى الى أيام النضال الجزائري الأولى.. وحكى لنا تفاصيل مدهشة وتأسفنا.. ومرة زاره عصر يوم رمضاني طبيبه الدكتور قارون الذي كان يعالجه من آثار التعذيب في سجن الشاه، واقترب موعد الإفطار، فاستأذن الطبيب ليخرج، فألح عليه أن يتناول الإفطار معه. وافق قارون وسأل: وما إفطارنا؟ قال الشيخ: زوجتي ليست في المنزل منذ أيام، وأمس حمست بالدهن، بعضاً من بيض الدجاج لإفطاري، كان كثيراً وبقي منه شيء وضعته في الثلاجة، والآن نستخرجه ونسخنه ونفطر.. فصرخ الطبيب: لا.. ولا أريد أن أبحث عمن يعشيني بعد الإفطار معك! وخرج. وقيل لي إن المرحوم السيد محمد حسين بهشتي كان مرة في زيارته وجاء وقت الغداء، فسأله عما يمكن أن يتناوله معه غداء، فقال: لديّ كمية من المخيض نبل بها خبزاً بائتاً.. فاعتذر السيد وخرج ضاحكا باحثا عن عشاء أقل تقشفا!
ومرة كان في زيارته أحد الوزراء الخدماتيين.. ومعه حقيبة ضخمة.. قال له الشيخ: ما هذا؟ قال الوزير: هذه رسائل الشكر لي من الشعب على إنجازاتي.. كان الشيخ قد تناوله بالاسم وعلناً ناقداً تقصيره في شؤون الإسكان.. أجابه الشيخ: ولكن رسائل الاحتجاج الشعبي والشكوى عليك حجمها عندي أكبر بكثير من حقيبتك.. والحل هو ألا تأتيني رسائل الشكوى. بعد هذا اليوم، وألا تبقى أنت بحاجة الى زيارتي.
ومرة.. كنا في زيارته وكان يخطب في وفد كبير من قوات الحرس الثوري القادمة من مدينة سمنان.. قرّعهم بشدة على تصرفاتهم الأمنية غير الدقيقة وتغطيتهم لها بالشرع.. وقال: يمر بكم من يحمل قارورة فيها سائل ملون، أحمر مثلا أو أبيض، وتعتقلونه على أساس أنه يحمل مسكرات، ويتبين العكس، فتتركونه وهو شاعر بالمهانة. أما الشرع فإنه لا يجيز لكم مثل هذا التصرف بأي حال من الأحوال، لماذا تهتكون أسرار الناس؟ يجب أن تكفوا عن تشويه الشريعة بأمزجتكم. ومرة كان يزوره مسؤول كبير جداً.. وجرى الحديث عن الحرب العراقية الإيرانية ـ قبل سنوات من قبول إيران بقرار مجلس الأمن بإيقافها ـ وانفعل الشيخ مؤكداً أن الحرب مستمرة من أجل ترسيخ زعامة بعض الزعماء، وذكر بعضهم بالاسم ومنهم من كان يخاطبه، ونصحه بإصرار أن يبحثوا عن مخرج مشرف قبل أن تتراكم الخسائر وتصبح بحجم الفضيحة، ويظهر صدام حسين وكأنه قد حقق نصراً مجانياً علينا، خاصة أن إيران قد أثبتت قدرتها على الرد ولا داعي للغرور.
ولد في نجف آباد، المدينة المعروفة في محافظة أصفهان، مدينة الزراعة والكدح والعرق والعلم والنضال، قدمت ومنذ الأيام الأولى للحرب أكبر عدد من الشهداء، كما قدمت نسبة كبيرة من شهداء الثورة ومن العلماء والمناضلين والمشاركين في إدارة الثورة والدولة.. والده كان إماماً لمسجدها، وبقي مزارعاً وراعياً للناس علماً وعملاً حتى توفي بعد مئة سنة من عمره زاهداً.. لا يملك شيئاً.
ومرة بلغ أحد رجال الدين العرب أن الشيخ منتظري يفكر بزواج ولده سعيد من كريمة هذا العربي، وكان بيته مجمعاً على حب الشيخ أصولا وفروعاً، ولكن كريمته استشاطت غضباً وقالت: لا أوافق، لأنني لا أستطيع أن أعيش كما يعيشون على بساطة عيشنا، ولكن بساطتهم استثنائية ولذلك فإن زواجي من ولده سوف يكون مشكلة لنا وله.
وأخبر والد الفتاة الشيخ بما قالته فأرسل لها معه تحية ودعاء بالتوفيق.
درس في الحوزة كما يدرس الآخرون. ومن دون أي امتياز أو ادعاء أو استعراض، كان تلميذاً نجيباً للمرجع المميز السيد حسين البروجردي، الذي تميز كذلك بانفتاحه على فقه المذاهب واحترم جهود علمائها وناقشهم في أبحاثه المعمقة مع تلاميذه، وتأثر به لهذه الناحية تلميذه المنتظري الذي صدرت مؤلفاته الفقهية في شبابه المبكر مميزة بلغتها العربية الصافية ودقتها وتأدبها الشديد أثناء نقاشها لآراء الفقهاء السنة في المسائل الخلافية، وكانت مؤلفاته هي تقارير تمثل فهمه الشخصي لفقه أستاذه الذي توفي في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي.
وفي العادة أن الناضجين من تلامذة المراجع السابقين يلتحقون بالمراجع الجدد الذين يحفظون لهم تميزهم وتقدمهم العلمي على غيرهم، وهكذا اندمج الشيخ منتظري بالإمام الخميني حتى عد تلميذاً مشتركاً له يقترب من الزمالة، ما جعله يقترب في نشاطه وجهاده السياسي العنيد من موقع الرفقة للإمام الذي رآه مرة خلاصة له وصرح بذلك.
شارك بفعالية في بناء الدولة ونقد السلطة فأثار حنق أهل السلطة مبكراً، وتمادى ولده في معارضته للسلطات بعد الثورة، الى حد أن أمره أبوه بالاعتزال فاعتزل، وعندما هدأ أعاده مجاهداً، بواقعية أوصلته الى الشهادة، مات محمد منتظري شهيداً نظيفاً.
ومن موقع الراعي والتاريخي شارك الشيخ حسين منتظري في وضع الدستور، وكان من أهم مؤصلي مسألة ولاية الفقيه، ولكنه عالم أولا وسياسي ثانيا أو ثالثا، ومن هنا استمر ولم يكف عن إعادة النظر في المسألة شأن العلماء، وانتهى في آخر المطاف الى الانحياز للتمييز بين الدين والسياسة وبين الدين والدولة، وكتب فقهاً متراجعاً عن الولاية المطلقة للفقيه، داعياً الى (نظارة) الفقيه، أي تحويل الفقيه الى رقيب وناظر والى موقعه الإرشادي لا المولوي في إدارة الدولة.
نضاله وأهليته العلمية رشحاه لأن يكون خليفة الإمام. ولكن الإمام الذي كان يمتدحه صراحة كتابة، لم يعيّنه ملتزماً بالمنطق السائد، ولكن التقارير التي وصلت الى الإمام وضعته في سياق آخر، فتم قطع الطريق عليه وعزله في منزله، مع محطات أو جرعات من الحرية النسبية بين فترة وأخرى، لم ينقطع عن البحث والدرس وحده أو مع تلامذة على عدد أصابع اليد الواحدة، وعندما كانت الأمور تنفرج كان مجلسه العلمي يستقبل مئات الطلاب الذاهبين الى الاجتهاد، ولم تتراجع شعبيته، وبرغم كل العوائق وكل العوامل المساعدة للآخرين، بقي المرجع الأكثر انتشاراً في مرجعيته في الوسط الشعبي وبين العلماء وحتى بين رجال الدولة من دون أن تؤثر في ذلك أخطاء أو ردود أفعال جرت حوله من قبل مقربين منه، وتمت المبالغة العظمى فيها للانتقام منه. وتجلت جرأته وشجاعته وانحيازه للإصلاح أكثر ما تجلت في الفترة الأخيرة، حيث لم يعد الإصلاح فكرة، بل أصبح مساراً ومشروعاً تحمله قوى اجتماعية ودينية معنية بإيران ومستقبلها وتجربتها وما يقع على عاتقها من وظائف حضارية وسياسية، نموذجية تقوم على الحرية والديموقراطية والتوازن والاعتدال والإصلاح.
وغادرنا في هذه اللحظة الشديدة الحساسية، من دون أن يكون هاجسنا أن نبحث له عن خليفة في خطه، لان ذلك كان صعبا دائما فهؤلاء الرجال استثنائيون، غير ان الذي يعزينا هو أن تيار الإصلاح في إيران قد تحول الى مؤسسة مركبة ومتكاملة. هناك فريق كبير من الإصلاحيين الذين وجدوا رأيهم وأولوياتهم، ينهضون بالعبء، ويصبرون الى أن تنجز إيران كلها مخرجاً من أزمتها الحالية لتعود الى دورها وحيويتها من دون أوهام أو مبالغات. وتعود التنمية والنهضة لتواصل حركتها في إيران بالشعب الإيراني، كله ومن أجل إيران كله، والتي تنعكس خبراتها على أعماقها من دون مصادرة أو استلحاق.
سنبقى نذكر له، حبه ومجاهدته بحبه للعرب وفلسطين من دون وصاية أو منة على أحد، ومع الإصرار على احترام من يختلفون في ما بينهم من العرب والفلسطينيين، ومتى يختلف هو معهم.
لقد كنت من الذين فرحوا قليلاً عندما تم إقصاؤه لأنه أنقذه، أنقذ العالم الذي يكون دوره السياسي أكثر فاعلية، من خارج العملية السياسية وآلياتها السلطوية، والذي أحزنني هو القسوة التي ظهرت في سلوك بعض الذين استفادوا من قربهم منه ثم تحولوا الى أعداء مستفيدين من بعدهم عنه، لقد آذتنا طريقة التعامل معه. وجعلتنا نكف عن التوكيد بأن الثورة أو الدولة اذا ما كانت محكومة بقيم روحية فهي تختلف عن غيرها. وفوجئنا، ولكن المنتظري بقي مرجعا وأملا كما كان يسمى، ومات مرجعا في لحظة وجع وأمل.
*
من بحر الذكريات
قلت لصاحبي المدقق والمهذب إني ذاهب الى الشيخ منتظري. فقال لي: قل له إنه لا يناسبه أن يتكلم عن رئيس دولة كبيرة ومحترمة بلغة السخرية وإن كان يخالفه. قلت له ذلك. فأرسل معي تحية الى صديقي السيد محمد مرتضى، ولم يعد الشيخ الى استعمال ألفاظ السخرية.
ومرة، في أوائل الثورة، ودعته فقام لي عن أرض غرفته العارية إلا من بساط مستهلك واقتادني الى غرفة أخرى بعيداً عن رفيقي الأستاذ طلال سلمان الذي رشقني بابتسامة ذات معنى.. وقال الشيخ: أريد أن أزورك، قلت له: ليس لديّ منزل في قم، قال: أزوركم في منزلنا هنا، وسألني عما اذا كنت بحاجة الى مال ومد يده الى جيبه، كنت أعرف أنه سيعطيني ولكن ليس كثيرا، ولم أرفض لهذا السبب، بل لأني لم أكن بحاجة، قال لي: لمصروف رفاقك، قلت إنهم ميسورون (بسبب الأستاذ طلال) وقال لي العارفون إني لا أعرف قواعد السلوك مع المراجع.
فقد كان الرفض خطأ، سأعود الى هذا الخطأ دائما اذا كان المرجع مثل الشيخ منتظري لأني لا أخاف من ردة فعله، سوف يغضب عليّ بسبب الرفض ويثق أكثر بسبب هذا الرفض، هكذا تصبح القيمة رجلاً ويصبح الرجل قيمة.
* عندما حصلت فرجة في السياج المضروب حوله، كنت في قم وبعثت إليه من يقول له إني أنوي زيارته. فأرسل لي: لا داعي للعجلة، فهذه الزيارة لن تفيدني وقد تضرك، وبعد سنتين زرته، وجدته نحيفاً أكثر وناشطاً أكثر، وممتنعاً عن تذكر الأوجاع السالفة. سألني عن عائلتي وانتقل بسرعة الى فلسطين، سألني عن ياسر عرفات وصحته، وأبلغني عتبه عليه سياسياً ودعاءه له بالتوفيق.

طابت ذكراك أيها الشيخ الجليل

عادل حبه
الخبر المحزن الذي تناقلته وكالات الأنباء يوم الأحد المصادف 20 كانون الأول حول رحيل الشيخ الجليل آية الله حسين علي منتظري عن عمر ناهز السابعة والثمانين، بقدر ما أثار لدي الأسى والحزن، فإنه قد أرجعني إلى عقد الستينيات من القرن الماضي لأستذكر تلك الأيام المريرة التي قضيتها في سجن "قصر" في عهد الشاه. فقد تعرفت في هذا السجن وعبر سبع سنوات على الكثير من الوجوه البارزة في الحركة الوطنية الإيرانية ومنهم شيخنا الجليل وإبنه محمد منتظري في قاطع رقم 4 من هذا السجن. إن السجن السياسي ربما يكون فريداً ولا يضاهيه أي مكان أحياناً في شفافيته، حيث يمكن للمرء أن لا يتعرف فقط على الخريطة السياسية والاجتماعية لأي بلد بسبب تلون التيارات التي ينتمي السجناء السياسيين إليها، بل إن السجن يكشف أيضا كل مكنونات السجين وخصاله، نقاط قوته وحسناته والصفات السلبية التي لا يتحرر أي كائن إنساني منها.
في ربيع عام 1966 نقلنا نحن السجناء الشيوعيون العراقيون من قاطع رقم 3 في سجن قصر إلى قاطع رقم 4 الأكثر اتساعاً ومساحة. هناك التقينا بنخبة فريدة من السجناء السياسيين الإيرانيين الذين نقل غالبيتهم من سجن برازجان الصحراوي في أقصى الجنوب الإيراني بعد أن أعيدوا إلى سجن العاصمة. وكان منهم الضباط الشيوعيين من أعضاء حزب توده إيران (أعدم خمسة منهم بعد 30 عاماً في السجن من قبل حكام إيران الحاليين) وقادة حزب "نهضة الحرية" بزعامة المهندس مهدي بازركان وآية الله سيد محمود الطالقاني. وكان من بين السجناء أيضاً طيب الذكر آية الله حسين علي منتظري وابنه محمد اللذين يقضيان مدة حكم لمدة سنتين، إضافة إلى اثنين من قادة حزب توده ممن جرى تخفيف الحكم عليهم من الإعدام إلى المؤبد وهما برويز حكمت جو وعلي خاوري. وكان هناك عدد آخر من السجناء من مختلف الإتجاهات. وكانت شخصيتي رجلي الدين المرحوم آية الله سيد محمود الطالقاني والفقيد آية الله حسين علي منتظري، هي أكثر ما جلب الانتباه من بين السجناء، الذين كانا يتمتعان بخصائص تميزهما عن مجموعة غير قليلة من رجال الدين ممن صادفتهم أثناء فترة السجن.
فالفقيد حسين علي منتظري كان شديد الالتزام بموقف متسامح خال من تكفير أو نبذ لمن يحمل أفكاراً أوعقائد أوأديان أخرى. فهو يختلط بالجميع ويتناقش دون أن يفسد للوّد قضية ودون أن يمتنع عن تلبية الدعوة على كأس شاي أو وليمة "سجنية" خلافاً لما كان يقوم بها فريق من المتشددين ممن يجلسون على كراسي الحكم في إيران الآن. فتراه تارة يجالس الشهيد كاكي أوانسيان( أعدم في مجزرة السجون في عام 1988) ليتناقش ويتبادل النوادر ثم يرجع ليقوم بإداء طقوسه الدينية عندما يحين وقتها.
ولم ير منتظري في الدين أو المذهب وسيلة للإكراه أو فرض طقوس وخيار إيماني محدد عملاً بالنص القرآني "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ـ البقرة:256". كما كان ينظر إلى الإيمان الديني كخيار للبشر مسترشداً بسورة الكهف:" وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا". فالبشر حسب هذه الآية مخيّر في إيمانه ولكنه غير مخير في "ظلمه" سواء أكان مؤمناً أم غير مؤمن. فغضب الخالق ينصب على كل الظالمين ومنهم من كان "مسلماً" من أمثال معاوية ويزيد والحجاج وصلاح الدين الأيوبي محرر القدس الذي سفك دماء كل أركان حكام مصر من السلالة الفاطمية، ناهيك عن الجبابرة "المسلمين" في عصرنا من أمثال صدام حسين وعزة الدوري وعلي خامنئي وخلخالي وغيرهم من "المسلمين" الذين يتحملون وزر قتل وإبادة البشر بدون تكليف من رب العالمين.
امتاز الفقيد بسعيه للمعرفة. فهو لم يحدد نفسه بالمصادر الدينية على أهميتها بالنسبة له كرجل دين، بل تبحر في الأدب الفارسي وفي اللغة العربية، وكان يطالع ما يتسرب بشكل سري إلى السجن من كتب متنوعة ويتناقش حولها مع أصحاب الآراء الأخرى دون أن يفسد ذلك احترامه لهم. تراه أحياناً منهمكاً في متابعة دراسته للغة الإنجليزية التي أتقنها في السجن هو وابنه محمد، الذي كنت أدقق له دروس اللغتين الإنجليزية والعربية.
لقد قضى الفقيد منتظري نصف حياته في السجون والنفي والتشرد والإبعاد في عهد الشاه، والحجر المنزلي والأذى في عهد حكام الجمهورية الأسلامية. ولم يُقل ذلك من إرادته بل زادته المحن قوة وجعلت منه حساسا للغاية ضد الظلم ومناصراً لحق الإنسان في الحياة وفي حرية المعتقد ومنتقداً بليغاً وصريحاً للانتهاكات في زمن "الجمهورية الإسلامية" ولكل اعوجاج في سياستها. وجراء ذلك أتُهم بأنه اتخذ "مواقف غير مبدئية" تجاه الحرب العراقية الإيرانية!!!.. وهذا ما حدا بالتيار المتشدد للتآمر عليه وإبعاده عن منصب خليفة الخميني أو قائمقامه في حالة رحيله، وإزاحته عن الميدان السياسي ومنعه من اللقاء بأحد وعومل بأقسى وأحط الأساليب. فقد وجّه منتظري انتقاداً صريحاً لسياسة حكام إيران التي تراهن على استمرار الحرب مع العراق، وانتقد الشعار الذي رفعه المتشددون وحتى بعض من العراقيين الذين التفوا حول المتشددين ورفعوا شعار:" حرب حرب حتى النصر" و"الطريق إلى فلسطين عبر كربلاء"، وما يعني ذلك من استمرار هذه الحرب العبثية الدموية التي أشعلها صدام واستمر بها حكام التطرف الديني في إيران. وفي هذا الإطار انتقد حكم الإعدام الجائر الذي صدر بحق صهره مهدي هاشمي، وتنفيذ هذا الحكم بسبب فضحه لصفقة ما سمي آنذاك بـ"إيران غيت" بعد الزيارة السرية لماكفرلين موفد الرئيس الأمريكي ريغان في عام 1987 من أجل إطلاق سراح الدبلوماسيين الأمريكان الستة الذين اختطفوا من قبل حزب الله في لبنان مقابل إمداد إسرائيل للأسلحة إلى إيران، بما يعني ذلك استمرار هذه الحرب الجهنمية التي جلبت الدمار والقتل الجماعي لكلى الشعبين.
ونظراً لمشاعره الإنسانية ولتجاربه الشخصية مع اضطهاد بني البشر، فقد كان الوحيد من بين رجال الدين في إيران وخارجها من وجّه أشد أشكال الإدانة للمجازر الجماعية التي أرتكبت في صيف عام 1988، والتي رافقت قبول المرحوم الخميني بوقف الحرب العراقية الإيرانية بعد فشل شعار "حرب حرب حتى النصر". وطالت هذه المجازر ما يزيد على 5 آلاف من السجناء السياسيين في مختلف سجون إيران، وتم إعدامهم في ليلة واحدة وبدون محاكمات وبدون أدنى مبرر سوى مطالبة هذه الحركات السياسية بوقف الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس. واعتبر منتظري أن سكوت المراجع الدينية على هذه الانتهاكات" بمثابة ذريعة بيد الحكم للمزيد من هذه الانتهاكات". ولذا فليس من قبيل الصدفة أن تشير داعية حقوق الإنسان السيدة شيرين عبادي الحاصلة على جائزة نوبل إلى ذلك في رثائها للفقيد منتظري حيث قالت:" ألقبك بالأب لأنك علمتنا كيف ندافع عن السجناء السياسيين وتخليت جراء ذلك عن كل المناصب الحكومية وحتى زعامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ألقبك بالأب لأنك علمتنا كيف ندافع عن المظلوم دون أن تحرض على العنف ضد الظالم. تعلمت منك إن سكوت المظلوم يشجع الظالم، فلا ينبغي التزام الصمت. أبي لقد تعلمت الكثير منك رغم إنني لم أف بمقامك كابنة وتلميذة لك".
نعم إن الفقيد لم يكن من ذلك الطراز الذي يتاجر بإيمانه أو دينه من أجل الجاه، ولا يتظاهر يذلك من أجل المنصب أو جمع الأموال . فهو لم يلطخ جبينه بالسواد كي يدلل على مبالغته بتدينه وليصبح ذلك جوازاً للحصول على المكاسب والجاه كما يفعل عدد غير قليل من طلاب المناصب الآن. ولم يتوسل الفقيد منتظري بفتاوى تتعارض مع القيم الإنسانية، فهو الذي أفتى بجواز المصافحة بين النساء والرجال، واعتبر إن رفض هذه المصافحة لا يدل إلا على عدم الاحترام وقلة الذوق ولا علاقة لهذا الرفض بالمعايير الدينية. وكان الوحيد من بين رجال الدين من دافع عن الحريات الدينية و أدان القمع والتصفيات ضد أتباع المذهب البهائي في إيران معتبراً أن البهائيين مواطنون إيرانيون يجب أن يتمتعوا بنفس حقوق سائر المواطنين الإيرانيين. وأفتى بعدم شرعية انتزاع الاعترافات من المتهمين بالقوة وأدان مثل هذه الأساليب التي تمارس في أقبية سجون ومعتقلات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقال:"إن مثل هذه الاعترافات ليس لها أي أساس شرعي وقانوني ويجب توجيه الاتهام لمرتكبي هذه الأفعال وتقديمهم إلى محاكم عادلة وعلنية لكي يشعر المواطنون بعدم انتهاك حرياتهم ويشعروا بالأمل في المستقبل وأن لا يجري التوسل بالقمع وسد أبواب الجامعات لمنع الشعب من الاحتجاج". وفي الذكرى الثلاثين لاحتلال السفارة الأمريكية في طهران من قبل الطلبة، اعتبر هذا الأجراء غير صحيح ولا يمت بصلة إلى طابع العلاقات المتحضرة بين الدول مهما كانت اختلافاتها.
وأعتبر منتظري إن ممارسات ولاية الفقية، والمرشد علي خامنئي على وجه الخصوص، ما هي إلاّ ضرب من الاستبداد الذي أطلق عليها أسم "ولاية العسكر"، وهي تشكل خطراً على الدين وعلى المراجع الدينية. وأكد وهو الذي أشرف على كتابة الدستور على أنه ليس من حق الولي الفقيه الولاية المطلقة ومصادرة رأي الناخب الإيراني بحيث يتحول الفقيه إلى الحاكم المطلق، فالنبي لم تكن لديه الولاية المطلقة. وأكد خاصة في السنوات الأخيرة على ضرورة "إدارة شؤون البلاد على أساس رأي الشعب". وإن مهمة ولي الفقيه هي الشؤون الفقهية والمراقبة على سير تطبيق الدستور وليس التحول هو ورجال الدين الآخرين من أنصاره إلى قادة لقوى الأمن أو إلى ضباط تحقيق ومخابرات أوإلى وزراء للداخلية. وطالب بعدم تدخل الولي الفقيه في شؤون الحكم واحترام الفصل بين السلطات والمسؤولية المشتركة أمام القانون دون أن يكون لولي الفقيه موقع فوق القوانين.
وتبلورت مواقف آية الله منتظري ضد الاستبداد والدفاع عن حقوق المواطن الإيراني في الأشهر الأخيرة من عمره بعد التزوير الفاضح في انتخابات رئاسة الجمهورية وتبلور "حركة الخضر" المناهضة للاستبداد الديني و "للدكتاتور"، بحيث أصبح الفقيد الزعيم الروحي لهذه الحركة الإصلاحية. وأعلن منتظري بصراحة "أن من يتوسل بالعنف والتزوير يفقد أية مشروعية في تولي المناصب والمسؤولية في الدولة الإيرانية". وعبر الفقيد بعد إعلان نتائج الانتخابات أن " العدالة والأمانة قد انهارت"، وحذر المسؤولين من نسيان استبداد الشاه وتجربته الفاشلة.
لقد مرت سنوات على اللقاء بهذه الشخصية الدينية الإنسانية، وكان آخرها دعوته لي والعائلة في بيته في مدينة قم بعد انتصار الثورة الإيرانية في ربيع عام 1979 وبعد تحرره من سجن الشاه. كان أكثر تواضعاً وبساطة وأشد حماساً لبناء مجتمع يحترم حقوق الإنسان ومختلف الآراء والأديان، وعبر عن امتنانه لاستضافتي لابنه الشهيد محمد الذي قدم إلى العراق وأقام في بيتنا بعد هروبه من ملاحقة نظام الشاه عام 1972، ثم التحاقة بمكتب الراحل الخميني في مدينة النجف ثم عودته من جديد سراً إلى إيران. وقد ذهب محمد ضحية التفجير الذي عصف بمقر الحزب الجمهوري في طهران في يوم إطلاق سراحي من سجن إيفين في طهران في يوم 28 حزيران عام 1981.‏
طابت ذكراك أبها الشيخ الجليل، ولتهب في سماء إيران نسائم التسامح والمحبة وسمو القيم الإنسانية والإنسان باعتباره صاحب الحق و الكلمة الأخيرة في إدارة شؤونه.

adelmhaba@yahoo.co.uk
كاتب عراقي