السبت، 9 يناير 2010

الأهداف العشرة للحركة الإصلاحية الخضراء


فيما يلي أهداف الحركة الخضراء (المعارضة الإصلاحية) والتي جاءت في بيان أصدره 5 من كبار الشخصيات هم: عبد الكريم سروش، وعطاء الله مهاجراني، وأكبر جانجي، ومحسن كاديفار، في الثالث من يناير (كانون الثاني) الحالي: نحن نؤيد تماما مواقف قادة الحركة في إيران (موسوي وكروبي وخاتمي)، ونعتقد أن مطالب الحركة الخضراء المثلى في هذه المرحلة هي على النحو التالي. 1. استقالة السيد محمود أحمدي نجاد من منصبه كرئيس للبلاد، وإجراء انتخابات رئاسية جديدة تحت إشراف أجهزة محايدة؛ وإلغاء عملية الفحص للمرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور، وتشكيل لجنة مستقلة للانتخابات تضم ممثلين لأحزاب المعارضة والمحتجين، من أجل صياغة القواعد المنظمة لعقد انتخابات حرة ونزيهة. 2. الإفراج عن جميع السجناء السياسيين، والتحقيق في تعذيب وقتل المتظاهرين على مدى الأشهر القليلة الماضية في محاكم مفتوحة وفي وجود هيئة محلفين ومحامين عن الضحايا، وتعويض أولئك الذين تعرضوا للأذى وأسرهم. 3. إطلاق حرية وسائل الاتصال الجماهيري، بما في ذلك الصحافة، والإنترنت، والإذاعة، والتلفزيون؛ وإلغاء الرقابة على المطبوعات، والسماح للأجهزة الإعلامية المحظورة مثل الصحف، لاستئناف نشاطها؛ وإتاحة الفرصة لظهور أجهزة إعلام غير حكومية مثل القنوات الفضائية، ووضع حد للرقابة على الإنترنت وجعلها في متناول الجمهور، وتطهير الإذاعة والتلفزيون الرسميين من الكذابين والمحرضين.
4. الاعتراف بحقوق كل الجماعات السياسية المشروعة، مثل الطلاب الجامعيين والحركات النسائية، والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات العمالية، والسماح لها بممارسة أنشطتها المشروعة، والحق في الاحتجاج السلمي وفقا للمادة 27 من الدستور.
5. استقلال الجامعات (من التدخل السياسي)؛ وتسييرها بالطرق الديمقراطية من قبل الأكاديميين أنفسهم؛ وإجلاء القوات العسكرية وشبه العسكرية منها، وإلغاء التدخل غير القانوني للمجلس الأعلى للثورة الثقافية في شؤون الجامعات. 6. مقاضاة جميع المسؤولين عن تعذيب وقتل (الناس)، وأولئك الذين أمروا بارتكاب جرائم في الماضي، ولا سيما تلك التي وقعت على مدى الأشهر القليلة الماضية. 7. استقلال القضاء من خلال انتخاب (وليس تعيين) رئيسها؛ وإلغاء المحاكم الاستثنائية غير المشروعة (مثل المحكمة الخاصة برجال الدين)؛ وتطهير الجهاز القضائي من القضاة غير العادلين، ومنع مسؤولي السلطة القضائية من إلقاء الخطب السياسية وتنفيذ أوامر من أعلى المسؤولين (الرئيس والزعيم الأعلى)، بدلا من تطبيق القوانين بشكل عادل ومحايد.
8. حظر تدخل الجيش والشرطة وقوات الأمن في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، وأمرهم على العمل مهنيا.
9. استقلال المدارس والمعاهد الاقتصادية والسياسية، ومنع تسييس رجال الدين، وحظر استخدام خطب صلاة الجمعة للإساءة للأديان أو إصدار أوامر غير مشروعة. 10. انتخاب جميع المسؤولين الذين يجب أن يصبحوا قابلين للانتقادات، والحد من عدد من المصطلحات التي يمكن أن تكون منتخبة.
- عدم الاستجابة لهذه المطالب وزيادة العنف، والقمع والقهر لن يساعد في عدم تجاوز الأزمة الحالية فقط، بل سيؤدي أيضا إلى تعميق الأزمة مع عواقب مؤلمة، يتحمل الزعيم الأعلى مسؤوليتها.
روبن رايت*
أصدر خمس من الشخصيات البارزة بحركة الإصلاح الإيرانية بيانا من 10 نقاط، يوم الأحد الماضي، يدعون فيه إلى استقالة الرئيس محمود أحمدي نجاد، والحد من سيطرة رجال الدين على نظام الاقتراع واختيار المرشحين.
ومن بين الموقعين على البيان عبد الكريم سروش، وهو مؤسس حركة الإصلاح الأكاديمي. وفي مقابلة معه تنشرها «الشرق الأوسط»، تحدث سروش عن ملابسات ذلك البيان الذي يدعو إلى الاعتراف بالجماعات السياسية، والطلابية، وغير الحكومية، وجماعات المرأة، واتحادات العمال، كما دعا إلى تحرير وسائل الإعلام، واستقلال النظام القضائي بما في ذلك إجراء انتخابات عامة لاختيار رئيس القضاة. وقال سروش إن الحركة الخضراء قدمت عشرة مطالب، إذا تمت الاستجابة لبعضها سيتغير المشهد السياسي بأكمله.
ومن بين الموقعين على البيان - كل الإيرانيين الذين يعيشون خارج البلاد وقعوا عليه - عضو البرلمان السابق محسن كديور، ووزير الإرشاد الإسلامي السابق عطاء الله مهاجراني، والمحقق الصحافي أكبر كنجي، والمفكر الإسلامي بازراغان ابن رئيس الوزراء السابق.
* لماذا قررتم إصدار البيان في الوقت الراهن؟
- إننا في الشهر السابع لظهور الحركة الخضراء، وكنت أراقب وأصدقائي الأحداث عن كثب، كما كنت أتواصل على نحو دائم مع بعض الأصدقاء في إيران. وبعد الاحتجاجات التي وقعت في احتفالات عاشوراء في 27 ديسمبر (كانون الأول)، اتضح لنا أن اللحظة الراهنة قد أصبحت نقطة تحول، حيث قرر النظام أن يقمع الحركة الخضراء. فعلى سبيل المثال قتل ذلك النظام أحد المحتجين، وهو ما مثل رسالة قاسية للغاية بالنسبة لكل المتظاهرين والمدافعين عن الحركة الخضراء أو مؤيديها، مفادها أننا سوف نضرب بقسوة على يد تلك الحركة.
ومن جهة أخرى، كان أصدقاؤنا يسألوننا دائما على المستوى الشخصي: ما هي المطالب الحقيقية للحركة الخضراء، لأن الحركة الخضراء ظهرت فجأة على الساحة السياسية؟ فلم يكن هناك تخطيط مسبق لتلك الحركة، فقد كانت الانتخابات هي نقطة البداية، ثم أخذت الحركة تتطور منذ ذلك الوقت. وأثناء تطور تلك الحركة اتضحت بعض المطالب، ولكن لم يكن هناك ما يشير إلى ما يدور في عقول زعماء تلك الحركة.
وقد فكر خمستنا في أنه نظرا للعلاقة الوثيقة التي تربطنا بقيادات الحركة مثل مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، ومحمد خاتمي، ونظرا لأننا نعرف مطالبهم جيدا، فإنه يجب علينا البدء في إعداد بيان أو تصريح حول أهداف الحركة الخضراء.
وبالتالي، بدأنا إعداد تلك المسودة بالفعل، ثم أصدر موسوي تصريحه الشهير (عن أنه سوف يموت في سبيل الحركة إذا اقتضى الأمر) في الأول من يناير (كانون الثاني). ونظرا لأننا نعيش خارج البلاد، فنحن لا نخشى الحكومة، ولأننا نعرف ما الذي يدور في عقول الناس فقد قررنا أن ننشر تصريحنا لكي نوضح نوايا موسوي وأهداف الحركة الخضراء في الوقت نفسه.
* هل يعكس ذلك البيان آراء القيادة فقط، أم أنه يعكس آراء قطاع أوسع من مؤيدي الحركة؟
- هذه الحركة تعددية؛ تشتمل على كل الأطياف، حيث تضم مؤمنين، وغير مؤمنين، واشتراكيين، وليبراليين. وقد اتفقنا على النقاط الرئيسية المشتركة بيننا جميعا، ونحن ندرك تماما أن هناك الكثير من المطالب الأخرى التي ربما يتجاوز عددها ما أعلنا عنه بالفعل. وربما تطالب الحركة في المرحلة المقبلة بتنقيح الدستور، ولكننا في الوقت الراهن ملتزمون بإطار الدستور الحالي وحريصون على عدم تجاوز تلك الحدود.
وكان من بين الاقتراحات التي قدمناها على هامش مطالبنا الأساسية الاقتراح بأن يتم انتخاب رئيس جهاز القضاء بدلا من أن يقوم المرشد الأعلى بتعيينه، حيث اقترحت أنه إذا ما كنا سوف نطالب بتعديلات دستورية فيجب أن يأتي رأس النظام القضائي أولا عن طريق الانتخاب.
* ما الفارق الذي سيصنعه ذلك البيان؟
- سوف يجعل ذلك البيان الأهداف سواء قصيرة المدى أو بعيدة المدى أكثر وضوحا وتحديدا، ونحن نحتاج في هذه المرحلة إلى ذلك. فقد كنت أقول منذ سنوات بعيدة إن الثورة تفتقر إلى النظرية؛ فقد كانت مجرد حركة ضد الشاه - وبالتالي كانت وراءها نظرية سلبية وليست إيجابية. وأعتقد أنه يجب يكون لأي حركة أخرى في البلاد إطار نظري تستند إليه. فيجب أن يحدد الناس ما الذي يريدونه وليس فقط الذي يرفضونه. وبالتالي فنحن نحاول - بطريقة معتدلة - أن نضع إطارا نظرية لتلك الحركة؛ فتحديد الأهداف قصيرة المدى أو بعيدة المدى يعتمد على الأسس النظرية التي قامت عليها الحركة، ونحن لدينا نظرية حول الحرية. وبالرغم من أننا لم نضع تلك النظرية ضمن النقاط المتضمنة في ذلك البيان فإنها كامنة في كل نقاطه؛ حيث ستظل هذه الرؤية خفية على العين المسلحة أي عين النظام.
* ما التالي بالنسبة للحركة الخضراء؟
- لا أحد يعرف. فهناك الكثير ممن ينادون بأن يسلم زعماء الحركة الخضراء أنفسهم إلى المرشد الأعلى، ولكن ذلك لن يحدث. فيجب أن يستعد أولا كلا الجانبين لمفاوضات جدية. وهو ما يمكن أن يحدث في المرحلة المقبلة، فربما يتدخل الرئيس السابق أكبر هاشمي رافسنجاني لإجراء مفاوضات للمصالحة الوطنية.
* هل يمكن أن يقمع النظام الحركة الخضراء بالقدر الذي يقضي عليها تماما؟
- لا أعتقد ذلك. لأن الحركة الخضراء هي نتاج لحركة إصلاحية تم قمعها قبل ذلك؛ فقد بذل أحمدي نجاد أقصى جهد له لكي يقضي على كل أنواع الحركات الإصلاحية ولكي يبدأ عهدا جديدا، لكنه لم ينجح في ذلك، وظهرت لدينا الحركة الخضراء التي تعد نتاجا للحركة الإصلاحية.
أتمنى أن تدرك الحكومة أنه يجب عليها التفاوض مع الحركة الخضراء، وأنه يجب عليها التنازل عن بعض الأشياء لكي تنجح تلك المفاوضات. وأتمنى ألا تلجأ إلى العنف الذي يمكن أن يضر بالحركة الخضراء والبلاد على حد سواء.
* هل سيكون الجيل الجديد من الإصلاحيين راضيا عن التوصل إلى تسوية؟
- لكلمة تسوية دلالة سلبية. ولكننا إذا تمكنا من تحقيق أحد مطالبنا التي أعلنا عنها مثل حرية الصحافة سيكون ذلك كافيا لتغيير المشهد السياسي تغييرا جذريا وتغيير المناخ العام في البلاد. فإذا ما قبل النظام أحد مطالبنا العشرة - وليس جميعها - سيعمل ذلك على تثوير البلاد بأسرها. وربما يعمل إطلاق سراح السجناء (حيث إن هناك الكثير من الأشخاص الأكفاء في السجون) على تثوير المناخ العام.
* خدمة «غلوبال فيوبوينت»




الأحد، 3 يناير 2010

نقاط موسوي الخمسة تحرج قيادة النظام

حسن فحص
اعلن زعيم تيار الخضر الإيراني مير حسين موسوي عن مبادرة من خمس نقاط لحل الازمة التي تواجهها إيران منذ الاعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية. اعلان موسوي تداعت معه احداث ووقائع تاريخية تقارب في ابعادها الابعاد التي ذهب لها موسوي في نقاطه الخمسة.
يروي المؤرخون ان المهدي ابن المنصور الخليفة العباسي الثالث وفي لحظة مراجعة محسوبة وفي محاولة لاستيعاب الحركة الاعتراضية للجماعة المؤيدة لآل البيت وابناء الامام علي بن ابي طالب، امر باستدعاء الامام موسى بن جعفر الكاظم الامام السابع لدى الشيعة الامامية.
وفي لعبة سياسية مدروسة كان الهدف منها التقليل من الدوافع الاعتراضية لدى البيت العلوي على السلطتين الاموية والعباسية واعتبارهما غاصبين للسلطة والخلافة، وكذلك تصغير اسباب الاختلاف إلى حدود الخلاف على ملكية قطعة من الارض اختلفت التفاسير حول طبيعة ملكيتها، فمنهم من اعتبرها – أي الشيعة - ارثا اعطاه الرسول لابنته فاطمة الزهراء، في حين استند الاخرون او اهل الجماعة على تفسير الحديث النبوي "نحن معشر الانبياء لا نورث وما تركناه صدقة" على اختلاف الرواية من اثبات للواو او اسقاط لها.
قدم المهدي عرضا للكاظم قد يراه البعض محاولة لحل الخلاف والنزاع بين البيتين العلوي والعباسي في تلك اللحظة، وقال للكاظم "اريد ان ارد عليكم فدكا"، غير ان رد الكاظم جاء مفاجئا حين قال له "بحدها وحدودها" فسأله: وما حدودها؟ فأجاب: إنّي إن حددّتها لم تردّها، فألحّ عليه المهدي، فحددّها الكاظم: الحدّ الأول: عدن إلى الجنوب. فتغيّر وجه المهدي، ثم قال: والحد الثاني: سمرقند إلى الشرق، فاربد وجهه، ثم قال: والحدّ الثالث: إفريقية إلى الغرب، فقال المهدي: والحدّ الرابع؟ قال: سيف بحر الخزر وأرمينية. عندها قال المهدي: لم يبق لنا شيء. فتحول إلى مجلسي. فكان جواب الكاظم: لقد أعلمتك بأنّي إن حدّدتها، لم تردّها.
وهو ايضا ما فهمه الرشيد بان ابناء علي بن ابي طالب يطالبون بالدولة والخلافة كلها، وان "فَدَك" باتت تعبيرا مجازيا عن الخلافة الاسلامية كلها، هذه الخلافة التي قال فيها الرشيد لولده المأمون "والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك". وبناء على موقف موسى الكاظم قام الرشيد بوضعه في السجن لاكثر من عشرين عاما الى ان توفي.
الدافع لهذا الاستحضار التاريخي ما صدر عن زعيم المعارضة الايرانية وتيار الخضر والرئيس المسلوب الاصوات في ايران مير حسين موسوي من مبادرة تتضمن نقاطا خمسة تشكل من وجهة نظره مخرجا مشرفا لحل ازمة التلاعب الذي حصل في نتائج الانتخابات الرئاسية في شهر يونيو / حزيران من العام الماضي 2009.
موسوي لم يتطرق في رسالته التي تضمن هذه النقاط الى موضوع نتائج الانتخابات، لكنه وضع حدودا خمسة لحل الازمة، تتلخص بالتالي :
1 – ان تعلن الحكومة مسؤوليتها المباشرة عن التقصير امام الشعب والبرلمان والسلطة القضائية بحيث لا تتلقى هذه الحكومة دعما غير معتاد لتغطية ضعفها وتقصيرها، وان تكون الحكومة مسوؤلة مباشرة عن اعطاء اجابات عن الازمات التي تسببت فيها للبلاد، واذا لم تكن الحكومة قادرة على تقديم اجابات للشعب والبرلمان واذا كانت عاجزة وغير كفؤ فان على البرلمان والسلطة القضائية التصدي لها في اطار الدستور.
2 – وضع قانون انتخابات شفاف يعزز الثقة، بحيث يساهم بإقناع الشعب بوجود منافسة حرة وعادلة وبلا خداع او تدخل، وعلى هذا القانون ان يضمن مشاركة كل الشعب بغض النظر عن اختلاف الاراء والافكار، وان يقطع الطريق امام التدخلات المزاجية والجهوية لمسؤولي النظام في كل المستويات، ويمكن هنا العودة الى تجربة السنوات الاولى للثورة في الانتخابات البرلمانية واعتمادها نموذجا لهذا الامر.
3 – اطلاق سراح السجناء السياسيين واعادة حيثيتهم وكرامتهم، وانني على يقين بان هذا الاجراء لن يفسر على انه دليل على ضعف النظام، ونحن نعرف ان تيارات سياسية وضيعة ستعارض هذا الحل.
4 – منح الصحافة ووسائل الاعلام الحرية ورفع الحظر عن الصحف الممنوع والسماح لها بالعودة للعمل، يشكل جزءاً من ضروريات هذا المسار، يجب التخلص من الخوف من حرية الصحافة، وهنا يجب التوقف عن التجارب العالمية في هذا المجال. توسيع القنوات الفضائية والوقوف على اهميتها وتأثير هذا النوع من الاعلام الحاسم وهو امر يكشف لنا فشل وعجز الاساليب القديمة التي تعاني منها مؤسسة الاذاعة والتلفزيون. ومن الممكن ان يكون التشويش والرقابة على الانتزنت مؤثرا بشكل مؤقتا، وان الحل الوحيد هو بان يكون لدينا وسائل اعلام متعددة ومتنوعة واعية وحرة داخل البلاد، الم يحن الوقت لاتخاذ خطوات جريئة مبنية على الثقة بالمفكرين والقوى الخلاقة في المجتمع وجذب انظارها المتعلقة بالجانب الاخر من العالم ودفعها بالعودة للاهتمام بما في الداخل من تطور وازدهار سياسي وثقافي واجتماعي؟
5 – الاعتراف بحق الشعب في اقامة التجمعات القانونية وتشكيل الاحزاب والتيارات تطبيقا للمادة 27 من الدستور. وان أي خطوة في هذا الاطار يمكن ان تتم من خلال التعاون بمشاركة جميع المهتمين بالبلاد، وهو امر باستطاعته نشر اجواء من الصداقة والمحبة الوطنية خلال الاشهر القادمة بديلا عن الاشتباك التي حدثت بين الشعب ومنظمة "البسيج" والقوى الامنية او الاشتباك بين ابناء الشعب.
في قراءة مبسطة لهذه النقاط الخمسة، يمكن القول ان موسوي لم يتخل عن مطالبه في اعادة النظر بنتائج الانتخابات والغائها او الدعوة لاجرائها من جديد، وهو المطلب المشترك الذي اجمعت عليه قيادة المعارضة الخضراء المتمثلة بمحمد خاتمي ومهدي كروبي و"حزب المشاركة" و"منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية". بل اعاد ترتيب الاولويات على اساس من احتياجات المرحلة وبهدف سحب الذرائع من الطرف المقابل الذي استدعى كل ما في جعبته من اسلحة دينية وعسكرية وقمعية. وبالتالي فقد اسقط كل الحجج التي يتذرع وتذرع بها النظام منذ ستة اشهر باتهامه المعارضة برفض الحوار والتحاور وانها تنفذ اجندة خارجية للقضاء على النظام الاسلامي.
موسوي بهذه الخطوة دفع بالكثير من القيادات الايرانية التي تقف الى جانب النظام مراعاة للتاريخ ووحدة الصف، للاعلان عن تأييدها لهذه الخطوة والطلب من مرشد النظام التعاطي مع مبادرة موسوي بايجابية كأرضية لحل الخلاف والانتقال بالبلاد الى اجواء من الوحدة والانسجام ووقف موجة الاعتراضات، وهو ما عبر عنه القائد الاسبق للحرس الثوري وسكرتير مجتمع تشخيص مصلحة النظام "محسن رضائي" في الرسالة التي وجهها للمرشد خامنئي طالبه فيها التعاطي بايجابية مع مبادرة موسوي، في منحى يذكر بالمبادرة التي اطلقها الشيخ هاشمي رفسنجاني في اول واخر صلاة جمعة له بعد الانتخابات الرئاسية. وقد اشار رضائي الى امكانية استغلال الفرصة التي اتاحتها مبادرة موسوي بتغييب الحديث عن تشكيكه بنتائج الانتخابات، الامر الذي اعتبره رضائي اعترافا من موسوي بحكومة احمدي نجاد، ودعا المرشد للالتقاط المبادرة والبناء عليها والامر بفتح حوار ينتهي بعودة اجواء الوحدة الوطنية الى البلاد.
وقد وضع موسوي قيادة النظام من المرشد ومسؤولي الحرس الثوري والجهات التي تقف وراء نتائج الانتخابات وعمليات القمع الدموية التي شهدتها شوارع طهران والمدن الايرانية الاخرى امام تحدي الاستجابة لهذه المبادرة، وفي حال رفضت فان هؤلاء المسؤولين، وخاصة مرشد النظام فان عليهم مواجهة الصعوبات الكبيرة التي ستظهر في المستقبل وسيحلق بهم الندم على تفويتها وتفويت غير من الفرص السابقة، والتي لن يكون في قدرة القيادات الاصلاحية الحالية السيطرة على مساراتها وتوجيهها.
والذي هدف منه موسوي في مبادرته هذه، التأكيد لقيادة التيار المحافظ التي تدفع باتجاه التأزيم والمواجهة الدموية، ان الحركة الاصلاحية او تيار الخضر لا يحمل مشروعا انقلابيا ضد نظام الجمهورية الاسلامية في ايران، بل ما الهدف الذي يعملون من اجله هو اصلاح الخلل الذي طرأ على هذا المشروع وانحرف به من مشروع ديمقراطي يضمن الحريات والتعددية الحزبية والفكرية الى مشروع لاقامة حكومة دينية وولاية الهية الغائية لا تعترف بالاخر او بحقه في التعبير والمشاركة.
وبالتالي اعاد موسوي تركيز الاسس المحركة لتيار الحركة الخضراء وابتعادها عن التيارات العلمانية وحدد ايضا استراتيجية حركتها الاعتراضية بانها حركة:
1 – غير متعجلة للتغيير، وهي المرة الاولى في التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر لايران، يظهر ان حركة شعبية واصلاحية تبدو غير متعجلة للوصول الى اهدافها ولا تسعى وراء الفوضى والثورة والانقلاب على النظام، وهذا نابع من قدرتها على تحديد منطلقاتها ومسارها والى اين تريد الوصول.
2 – عدم وجود قيادة كارزماتية واحدة للحركة، فخاتمي وكروبي وموسوي يتمتعون بالقدر نفسه من التأثير ولا احد منهم يدعي قيادة الحركة.
3 – عدم وجود فصل حاد داخل الحركة الخضراء "ابيض واسود" على العكس من المعسكر المقابل "المحافظ"، ففيها متسع لكل الاطياف الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تلتقي مع هذه الحركة في اهدافها وافكارها.
4 – لقد اثبتت الحركة الخضراء والاصلاحيين معها انها لا تخشى الوقوف بوجه النظام والتصدي للظلم وما تعتبره خرقا للدستور وحق المواطنة وحقوق الانسان، وقد برهنت الاشهر الستة الماضية هذا الامر وعدم قدرة الطرف الاخر التأثير عليها واخافتها.
5 – تعترف الحركة الاصلاحية بوجود تعددية في صفوفها وتسعى لتوظيف المشتركات لهذه التعددية لتصب في الاطار العام للحركة، ولا تنفي وجود متسلقين ومتقلبين، وهذا مرده عدم وجود ثقافة " القدسية او التقديس " لذلك فهي لا تعتمد على بناء تنظيمي او حزبي.
وفي حال التقط مرشد النظام هذه المبادرة، فلا بد ان تبدأ ورشة عمل واسعة لبحث ابعادها ومعالجة نتائج المرحلة السابقة والتي قد لا تقف عند الستة اشهر الماضية، بل تتعداه لتصل إلى كل المرحلة التي تلت وفاة المؤسس الامام الخميني.
الا ان هناك عوائق قد تعرقل او تمنع المرشد من الموافقة على هذه المبادرة، اذ ان كل الاجراءات التي طالت وتطال الصحف والصحفيين والناشطين السياسيين وعمليات القمع قد تمت بعلم منه وبموافقته، والموافقة على اعادة النظر بهذه الاجراءات بناء على مبادرة موسوي يعني اعترافا من المرشد بمسؤوليته عن هذه الاجراءات، فهل سيكون المرشد على استعداد للتنازل والقبول ليضع إيران على طريق الخروج من ازمة تطال وجود النظام، كما فعل موسوي، ام انه سيرفض ويشيح وجهه عن هذه الخطوة ؟ هذا ما ستجيب عليه الايام القادمة.
hassanfahs@hotmail.com

الأحد، 27 ديسمبر 2009

الجمعة، 25 ديسمبر 2009

الرجـل القيمـة أو القيمـة رجـلاً

هاني فحص
... بعد صلاة المغرب، في يوم صيفي حار، انتظرته مع صديقي المناضل الجزائري الكبير العباسي موفداً من الرئيس أحمد بن بله، في حديقة منزله الصغيرة في قم.. كان هناك شخص يصلي في طرف الحديقة بلباس منزلي شديد التواضع والبساطة، وليس عليه شيء يدل عليه. انتهى من صلاته وتقدم نحونا مسلماً... قفز العباسي من مكانه ليسلم وشرع في البكاء مندهشاً بهذه البساطة وهذا الترفع عن الدنيا... وعاد بالذكرى الى أيام النضال الجزائري الأولى.. وحكى لنا تفاصيل مدهشة وتأسفنا.. ومرة زاره عصر يوم رمضاني طبيبه الدكتور قارون الذي كان يعالجه من آثار التعذيب في سجن الشاه، واقترب موعد الإفطار، فاستأذن الطبيب ليخرج، فألح عليه أن يتناول الإفطار معه. وافق قارون وسأل: وما إفطارنا؟ قال الشيخ: زوجتي ليست في المنزل منذ أيام، وأمس حمست بالدهن، بعضاً من بيض الدجاج لإفطاري، كان كثيراً وبقي منه شيء وضعته في الثلاجة، والآن نستخرجه ونسخنه ونفطر.. فصرخ الطبيب: لا.. ولا أريد أن أبحث عمن يعشيني بعد الإفطار معك! وخرج. وقيل لي إن المرحوم السيد محمد حسين بهشتي كان مرة في زيارته وجاء وقت الغداء، فسأله عما يمكن أن يتناوله معه غداء، فقال: لديّ كمية من المخيض نبل بها خبزاً بائتاً.. فاعتذر السيد وخرج ضاحكا باحثا عن عشاء أقل تقشفا!
ومرة كان في زيارته أحد الوزراء الخدماتيين.. ومعه حقيبة ضخمة.. قال له الشيخ: ما هذا؟ قال الوزير: هذه رسائل الشكر لي من الشعب على إنجازاتي.. كان الشيخ قد تناوله بالاسم وعلناً ناقداً تقصيره في شؤون الإسكان.. أجابه الشيخ: ولكن رسائل الاحتجاج الشعبي والشكوى عليك حجمها عندي أكبر بكثير من حقيبتك.. والحل هو ألا تأتيني رسائل الشكوى. بعد هذا اليوم، وألا تبقى أنت بحاجة الى زيارتي.
ومرة.. كنا في زيارته وكان يخطب في وفد كبير من قوات الحرس الثوري القادمة من مدينة سمنان.. قرّعهم بشدة على تصرفاتهم الأمنية غير الدقيقة وتغطيتهم لها بالشرع.. وقال: يمر بكم من يحمل قارورة فيها سائل ملون، أحمر مثلا أو أبيض، وتعتقلونه على أساس أنه يحمل مسكرات، ويتبين العكس، فتتركونه وهو شاعر بالمهانة. أما الشرع فإنه لا يجيز لكم مثل هذا التصرف بأي حال من الأحوال، لماذا تهتكون أسرار الناس؟ يجب أن تكفوا عن تشويه الشريعة بأمزجتكم. ومرة كان يزوره مسؤول كبير جداً.. وجرى الحديث عن الحرب العراقية الإيرانية ـ قبل سنوات من قبول إيران بقرار مجلس الأمن بإيقافها ـ وانفعل الشيخ مؤكداً أن الحرب مستمرة من أجل ترسيخ زعامة بعض الزعماء، وذكر بعضهم بالاسم ومنهم من كان يخاطبه، ونصحه بإصرار أن يبحثوا عن مخرج مشرف قبل أن تتراكم الخسائر وتصبح بحجم الفضيحة، ويظهر صدام حسين وكأنه قد حقق نصراً مجانياً علينا، خاصة أن إيران قد أثبتت قدرتها على الرد ولا داعي للغرور.
ولد في نجف آباد، المدينة المعروفة في محافظة أصفهان، مدينة الزراعة والكدح والعرق والعلم والنضال، قدمت ومنذ الأيام الأولى للحرب أكبر عدد من الشهداء، كما قدمت نسبة كبيرة من شهداء الثورة ومن العلماء والمناضلين والمشاركين في إدارة الثورة والدولة.. والده كان إماماً لمسجدها، وبقي مزارعاً وراعياً للناس علماً وعملاً حتى توفي بعد مئة سنة من عمره زاهداً.. لا يملك شيئاً.
ومرة بلغ أحد رجال الدين العرب أن الشيخ منتظري يفكر بزواج ولده سعيد من كريمة هذا العربي، وكان بيته مجمعاً على حب الشيخ أصولا وفروعاً، ولكن كريمته استشاطت غضباً وقالت: لا أوافق، لأنني لا أستطيع أن أعيش كما يعيشون على بساطة عيشنا، ولكن بساطتهم استثنائية ولذلك فإن زواجي من ولده سوف يكون مشكلة لنا وله.
وأخبر والد الفتاة الشيخ بما قالته فأرسل لها معه تحية ودعاء بالتوفيق.
درس في الحوزة كما يدرس الآخرون. ومن دون أي امتياز أو ادعاء أو استعراض، كان تلميذاً نجيباً للمرجع المميز السيد حسين البروجردي، الذي تميز كذلك بانفتاحه على فقه المذاهب واحترم جهود علمائها وناقشهم في أبحاثه المعمقة مع تلاميذه، وتأثر به لهذه الناحية تلميذه المنتظري الذي صدرت مؤلفاته الفقهية في شبابه المبكر مميزة بلغتها العربية الصافية ودقتها وتأدبها الشديد أثناء نقاشها لآراء الفقهاء السنة في المسائل الخلافية، وكانت مؤلفاته هي تقارير تمثل فهمه الشخصي لفقه أستاذه الذي توفي في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي.
وفي العادة أن الناضجين من تلامذة المراجع السابقين يلتحقون بالمراجع الجدد الذين يحفظون لهم تميزهم وتقدمهم العلمي على غيرهم، وهكذا اندمج الشيخ منتظري بالإمام الخميني حتى عد تلميذاً مشتركاً له يقترب من الزمالة، ما جعله يقترب في نشاطه وجهاده السياسي العنيد من موقع الرفقة للإمام الذي رآه مرة خلاصة له وصرح بذلك.
شارك بفعالية في بناء الدولة ونقد السلطة فأثار حنق أهل السلطة مبكراً، وتمادى ولده في معارضته للسلطات بعد الثورة، الى حد أن أمره أبوه بالاعتزال فاعتزل، وعندما هدأ أعاده مجاهداً، بواقعية أوصلته الى الشهادة، مات محمد منتظري شهيداً نظيفاً.
ومن موقع الراعي والتاريخي شارك الشيخ حسين منتظري في وضع الدستور، وكان من أهم مؤصلي مسألة ولاية الفقيه، ولكنه عالم أولا وسياسي ثانيا أو ثالثا، ومن هنا استمر ولم يكف عن إعادة النظر في المسألة شأن العلماء، وانتهى في آخر المطاف الى الانحياز للتمييز بين الدين والسياسة وبين الدين والدولة، وكتب فقهاً متراجعاً عن الولاية المطلقة للفقيه، داعياً الى (نظارة) الفقيه، أي تحويل الفقيه الى رقيب وناظر والى موقعه الإرشادي لا المولوي في إدارة الدولة.
نضاله وأهليته العلمية رشحاه لأن يكون خليفة الإمام. ولكن الإمام الذي كان يمتدحه صراحة كتابة، لم يعيّنه ملتزماً بالمنطق السائد، ولكن التقارير التي وصلت الى الإمام وضعته في سياق آخر، فتم قطع الطريق عليه وعزله في منزله، مع محطات أو جرعات من الحرية النسبية بين فترة وأخرى، لم ينقطع عن البحث والدرس وحده أو مع تلامذة على عدد أصابع اليد الواحدة، وعندما كانت الأمور تنفرج كان مجلسه العلمي يستقبل مئات الطلاب الذاهبين الى الاجتهاد، ولم تتراجع شعبيته، وبرغم كل العوائق وكل العوامل المساعدة للآخرين، بقي المرجع الأكثر انتشاراً في مرجعيته في الوسط الشعبي وبين العلماء وحتى بين رجال الدولة من دون أن تؤثر في ذلك أخطاء أو ردود أفعال جرت حوله من قبل مقربين منه، وتمت المبالغة العظمى فيها للانتقام منه. وتجلت جرأته وشجاعته وانحيازه للإصلاح أكثر ما تجلت في الفترة الأخيرة، حيث لم يعد الإصلاح فكرة، بل أصبح مساراً ومشروعاً تحمله قوى اجتماعية ودينية معنية بإيران ومستقبلها وتجربتها وما يقع على عاتقها من وظائف حضارية وسياسية، نموذجية تقوم على الحرية والديموقراطية والتوازن والاعتدال والإصلاح.
وغادرنا في هذه اللحظة الشديدة الحساسية، من دون أن يكون هاجسنا أن نبحث له عن خليفة في خطه، لان ذلك كان صعبا دائما فهؤلاء الرجال استثنائيون، غير ان الذي يعزينا هو أن تيار الإصلاح في إيران قد تحول الى مؤسسة مركبة ومتكاملة. هناك فريق كبير من الإصلاحيين الذين وجدوا رأيهم وأولوياتهم، ينهضون بالعبء، ويصبرون الى أن تنجز إيران كلها مخرجاً من أزمتها الحالية لتعود الى دورها وحيويتها من دون أوهام أو مبالغات. وتعود التنمية والنهضة لتواصل حركتها في إيران بالشعب الإيراني، كله ومن أجل إيران كله، والتي تنعكس خبراتها على أعماقها من دون مصادرة أو استلحاق.
سنبقى نذكر له، حبه ومجاهدته بحبه للعرب وفلسطين من دون وصاية أو منة على أحد، ومع الإصرار على احترام من يختلفون في ما بينهم من العرب والفلسطينيين، ومتى يختلف هو معهم.
لقد كنت من الذين فرحوا قليلاً عندما تم إقصاؤه لأنه أنقذه، أنقذ العالم الذي يكون دوره السياسي أكثر فاعلية، من خارج العملية السياسية وآلياتها السلطوية، والذي أحزنني هو القسوة التي ظهرت في سلوك بعض الذين استفادوا من قربهم منه ثم تحولوا الى أعداء مستفيدين من بعدهم عنه، لقد آذتنا طريقة التعامل معه. وجعلتنا نكف عن التوكيد بأن الثورة أو الدولة اذا ما كانت محكومة بقيم روحية فهي تختلف عن غيرها. وفوجئنا، ولكن المنتظري بقي مرجعا وأملا كما كان يسمى، ومات مرجعا في لحظة وجع وأمل.
*
من بحر الذكريات
قلت لصاحبي المدقق والمهذب إني ذاهب الى الشيخ منتظري. فقال لي: قل له إنه لا يناسبه أن يتكلم عن رئيس دولة كبيرة ومحترمة بلغة السخرية وإن كان يخالفه. قلت له ذلك. فأرسل معي تحية الى صديقي السيد محمد مرتضى، ولم يعد الشيخ الى استعمال ألفاظ السخرية.
ومرة، في أوائل الثورة، ودعته فقام لي عن أرض غرفته العارية إلا من بساط مستهلك واقتادني الى غرفة أخرى بعيداً عن رفيقي الأستاذ طلال سلمان الذي رشقني بابتسامة ذات معنى.. وقال الشيخ: أريد أن أزورك، قلت له: ليس لديّ منزل في قم، قال: أزوركم في منزلنا هنا، وسألني عما اذا كنت بحاجة الى مال ومد يده الى جيبه، كنت أعرف أنه سيعطيني ولكن ليس كثيرا، ولم أرفض لهذا السبب، بل لأني لم أكن بحاجة، قال لي: لمصروف رفاقك، قلت إنهم ميسورون (بسبب الأستاذ طلال) وقال لي العارفون إني لا أعرف قواعد السلوك مع المراجع.
فقد كان الرفض خطأ، سأعود الى هذا الخطأ دائما اذا كان المرجع مثل الشيخ منتظري لأني لا أخاف من ردة فعله، سوف يغضب عليّ بسبب الرفض ويثق أكثر بسبب هذا الرفض، هكذا تصبح القيمة رجلاً ويصبح الرجل قيمة.
* عندما حصلت فرجة في السياج المضروب حوله، كنت في قم وبعثت إليه من يقول له إني أنوي زيارته. فأرسل لي: لا داعي للعجلة، فهذه الزيارة لن تفيدني وقد تضرك، وبعد سنتين زرته، وجدته نحيفاً أكثر وناشطاً أكثر، وممتنعاً عن تذكر الأوجاع السالفة. سألني عن عائلتي وانتقل بسرعة الى فلسطين، سألني عن ياسر عرفات وصحته، وأبلغني عتبه عليه سياسياً ودعاءه له بالتوفيق.

طابت ذكراك أيها الشيخ الجليل

عادل حبه
الخبر المحزن الذي تناقلته وكالات الأنباء يوم الأحد المصادف 20 كانون الأول حول رحيل الشيخ الجليل آية الله حسين علي منتظري عن عمر ناهز السابعة والثمانين، بقدر ما أثار لدي الأسى والحزن، فإنه قد أرجعني إلى عقد الستينيات من القرن الماضي لأستذكر تلك الأيام المريرة التي قضيتها في سجن "قصر" في عهد الشاه. فقد تعرفت في هذا السجن وعبر سبع سنوات على الكثير من الوجوه البارزة في الحركة الوطنية الإيرانية ومنهم شيخنا الجليل وإبنه محمد منتظري في قاطع رقم 4 من هذا السجن. إن السجن السياسي ربما يكون فريداً ولا يضاهيه أي مكان أحياناً في شفافيته، حيث يمكن للمرء أن لا يتعرف فقط على الخريطة السياسية والاجتماعية لأي بلد بسبب تلون التيارات التي ينتمي السجناء السياسيين إليها، بل إن السجن يكشف أيضا كل مكنونات السجين وخصاله، نقاط قوته وحسناته والصفات السلبية التي لا يتحرر أي كائن إنساني منها.
في ربيع عام 1966 نقلنا نحن السجناء الشيوعيون العراقيون من قاطع رقم 3 في سجن قصر إلى قاطع رقم 4 الأكثر اتساعاً ومساحة. هناك التقينا بنخبة فريدة من السجناء السياسيين الإيرانيين الذين نقل غالبيتهم من سجن برازجان الصحراوي في أقصى الجنوب الإيراني بعد أن أعيدوا إلى سجن العاصمة. وكان منهم الضباط الشيوعيين من أعضاء حزب توده إيران (أعدم خمسة منهم بعد 30 عاماً في السجن من قبل حكام إيران الحاليين) وقادة حزب "نهضة الحرية" بزعامة المهندس مهدي بازركان وآية الله سيد محمود الطالقاني. وكان من بين السجناء أيضاً طيب الذكر آية الله حسين علي منتظري وابنه محمد اللذين يقضيان مدة حكم لمدة سنتين، إضافة إلى اثنين من قادة حزب توده ممن جرى تخفيف الحكم عليهم من الإعدام إلى المؤبد وهما برويز حكمت جو وعلي خاوري. وكان هناك عدد آخر من السجناء من مختلف الإتجاهات. وكانت شخصيتي رجلي الدين المرحوم آية الله سيد محمود الطالقاني والفقيد آية الله حسين علي منتظري، هي أكثر ما جلب الانتباه من بين السجناء، الذين كانا يتمتعان بخصائص تميزهما عن مجموعة غير قليلة من رجال الدين ممن صادفتهم أثناء فترة السجن.
فالفقيد حسين علي منتظري كان شديد الالتزام بموقف متسامح خال من تكفير أو نبذ لمن يحمل أفكاراً أوعقائد أوأديان أخرى. فهو يختلط بالجميع ويتناقش دون أن يفسد للوّد قضية ودون أن يمتنع عن تلبية الدعوة على كأس شاي أو وليمة "سجنية" خلافاً لما كان يقوم بها فريق من المتشددين ممن يجلسون على كراسي الحكم في إيران الآن. فتراه تارة يجالس الشهيد كاكي أوانسيان( أعدم في مجزرة السجون في عام 1988) ليتناقش ويتبادل النوادر ثم يرجع ليقوم بإداء طقوسه الدينية عندما يحين وقتها.
ولم ير منتظري في الدين أو المذهب وسيلة للإكراه أو فرض طقوس وخيار إيماني محدد عملاً بالنص القرآني "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ـ البقرة:256". كما كان ينظر إلى الإيمان الديني كخيار للبشر مسترشداً بسورة الكهف:" وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا". فالبشر حسب هذه الآية مخيّر في إيمانه ولكنه غير مخير في "ظلمه" سواء أكان مؤمناً أم غير مؤمن. فغضب الخالق ينصب على كل الظالمين ومنهم من كان "مسلماً" من أمثال معاوية ويزيد والحجاج وصلاح الدين الأيوبي محرر القدس الذي سفك دماء كل أركان حكام مصر من السلالة الفاطمية، ناهيك عن الجبابرة "المسلمين" في عصرنا من أمثال صدام حسين وعزة الدوري وعلي خامنئي وخلخالي وغيرهم من "المسلمين" الذين يتحملون وزر قتل وإبادة البشر بدون تكليف من رب العالمين.
امتاز الفقيد بسعيه للمعرفة. فهو لم يحدد نفسه بالمصادر الدينية على أهميتها بالنسبة له كرجل دين، بل تبحر في الأدب الفارسي وفي اللغة العربية، وكان يطالع ما يتسرب بشكل سري إلى السجن من كتب متنوعة ويتناقش حولها مع أصحاب الآراء الأخرى دون أن يفسد ذلك احترامه لهم. تراه أحياناً منهمكاً في متابعة دراسته للغة الإنجليزية التي أتقنها في السجن هو وابنه محمد، الذي كنت أدقق له دروس اللغتين الإنجليزية والعربية.
لقد قضى الفقيد منتظري نصف حياته في السجون والنفي والتشرد والإبعاد في عهد الشاه، والحجر المنزلي والأذى في عهد حكام الجمهورية الأسلامية. ولم يُقل ذلك من إرادته بل زادته المحن قوة وجعلت منه حساسا للغاية ضد الظلم ومناصراً لحق الإنسان في الحياة وفي حرية المعتقد ومنتقداً بليغاً وصريحاً للانتهاكات في زمن "الجمهورية الإسلامية" ولكل اعوجاج في سياستها. وجراء ذلك أتُهم بأنه اتخذ "مواقف غير مبدئية" تجاه الحرب العراقية الإيرانية!!!.. وهذا ما حدا بالتيار المتشدد للتآمر عليه وإبعاده عن منصب خليفة الخميني أو قائمقامه في حالة رحيله، وإزاحته عن الميدان السياسي ومنعه من اللقاء بأحد وعومل بأقسى وأحط الأساليب. فقد وجّه منتظري انتقاداً صريحاً لسياسة حكام إيران التي تراهن على استمرار الحرب مع العراق، وانتقد الشعار الذي رفعه المتشددون وحتى بعض من العراقيين الذين التفوا حول المتشددين ورفعوا شعار:" حرب حرب حتى النصر" و"الطريق إلى فلسطين عبر كربلاء"، وما يعني ذلك من استمرار هذه الحرب العبثية الدموية التي أشعلها صدام واستمر بها حكام التطرف الديني في إيران. وفي هذا الإطار انتقد حكم الإعدام الجائر الذي صدر بحق صهره مهدي هاشمي، وتنفيذ هذا الحكم بسبب فضحه لصفقة ما سمي آنذاك بـ"إيران غيت" بعد الزيارة السرية لماكفرلين موفد الرئيس الأمريكي ريغان في عام 1987 من أجل إطلاق سراح الدبلوماسيين الأمريكان الستة الذين اختطفوا من قبل حزب الله في لبنان مقابل إمداد إسرائيل للأسلحة إلى إيران، بما يعني ذلك استمرار هذه الحرب الجهنمية التي جلبت الدمار والقتل الجماعي لكلى الشعبين.
ونظراً لمشاعره الإنسانية ولتجاربه الشخصية مع اضطهاد بني البشر، فقد كان الوحيد من بين رجال الدين في إيران وخارجها من وجّه أشد أشكال الإدانة للمجازر الجماعية التي أرتكبت في صيف عام 1988، والتي رافقت قبول المرحوم الخميني بوقف الحرب العراقية الإيرانية بعد فشل شعار "حرب حرب حتى النصر". وطالت هذه المجازر ما يزيد على 5 آلاف من السجناء السياسيين في مختلف سجون إيران، وتم إعدامهم في ليلة واحدة وبدون محاكمات وبدون أدنى مبرر سوى مطالبة هذه الحركات السياسية بوقف الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس. واعتبر منتظري أن سكوت المراجع الدينية على هذه الانتهاكات" بمثابة ذريعة بيد الحكم للمزيد من هذه الانتهاكات". ولذا فليس من قبيل الصدفة أن تشير داعية حقوق الإنسان السيدة شيرين عبادي الحاصلة على جائزة نوبل إلى ذلك في رثائها للفقيد منتظري حيث قالت:" ألقبك بالأب لأنك علمتنا كيف ندافع عن السجناء السياسيين وتخليت جراء ذلك عن كل المناصب الحكومية وحتى زعامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ألقبك بالأب لأنك علمتنا كيف ندافع عن المظلوم دون أن تحرض على العنف ضد الظالم. تعلمت منك إن سكوت المظلوم يشجع الظالم، فلا ينبغي التزام الصمت. أبي لقد تعلمت الكثير منك رغم إنني لم أف بمقامك كابنة وتلميذة لك".
نعم إن الفقيد لم يكن من ذلك الطراز الذي يتاجر بإيمانه أو دينه من أجل الجاه، ولا يتظاهر يذلك من أجل المنصب أو جمع الأموال . فهو لم يلطخ جبينه بالسواد كي يدلل على مبالغته بتدينه وليصبح ذلك جوازاً للحصول على المكاسب والجاه كما يفعل عدد غير قليل من طلاب المناصب الآن. ولم يتوسل الفقيد منتظري بفتاوى تتعارض مع القيم الإنسانية، فهو الذي أفتى بجواز المصافحة بين النساء والرجال، واعتبر إن رفض هذه المصافحة لا يدل إلا على عدم الاحترام وقلة الذوق ولا علاقة لهذا الرفض بالمعايير الدينية. وكان الوحيد من بين رجال الدين من دافع عن الحريات الدينية و أدان القمع والتصفيات ضد أتباع المذهب البهائي في إيران معتبراً أن البهائيين مواطنون إيرانيون يجب أن يتمتعوا بنفس حقوق سائر المواطنين الإيرانيين. وأفتى بعدم شرعية انتزاع الاعترافات من المتهمين بالقوة وأدان مثل هذه الأساليب التي تمارس في أقبية سجون ومعتقلات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقال:"إن مثل هذه الاعترافات ليس لها أي أساس شرعي وقانوني ويجب توجيه الاتهام لمرتكبي هذه الأفعال وتقديمهم إلى محاكم عادلة وعلنية لكي يشعر المواطنون بعدم انتهاك حرياتهم ويشعروا بالأمل في المستقبل وأن لا يجري التوسل بالقمع وسد أبواب الجامعات لمنع الشعب من الاحتجاج". وفي الذكرى الثلاثين لاحتلال السفارة الأمريكية في طهران من قبل الطلبة، اعتبر هذا الأجراء غير صحيح ولا يمت بصلة إلى طابع العلاقات المتحضرة بين الدول مهما كانت اختلافاتها.
وأعتبر منتظري إن ممارسات ولاية الفقية، والمرشد علي خامنئي على وجه الخصوص، ما هي إلاّ ضرب من الاستبداد الذي أطلق عليها أسم "ولاية العسكر"، وهي تشكل خطراً على الدين وعلى المراجع الدينية. وأكد وهو الذي أشرف على كتابة الدستور على أنه ليس من حق الولي الفقيه الولاية المطلقة ومصادرة رأي الناخب الإيراني بحيث يتحول الفقيه إلى الحاكم المطلق، فالنبي لم تكن لديه الولاية المطلقة. وأكد خاصة في السنوات الأخيرة على ضرورة "إدارة شؤون البلاد على أساس رأي الشعب". وإن مهمة ولي الفقيه هي الشؤون الفقهية والمراقبة على سير تطبيق الدستور وليس التحول هو ورجال الدين الآخرين من أنصاره إلى قادة لقوى الأمن أو إلى ضباط تحقيق ومخابرات أوإلى وزراء للداخلية. وطالب بعدم تدخل الولي الفقيه في شؤون الحكم واحترام الفصل بين السلطات والمسؤولية المشتركة أمام القانون دون أن يكون لولي الفقيه موقع فوق القوانين.
وتبلورت مواقف آية الله منتظري ضد الاستبداد والدفاع عن حقوق المواطن الإيراني في الأشهر الأخيرة من عمره بعد التزوير الفاضح في انتخابات رئاسة الجمهورية وتبلور "حركة الخضر" المناهضة للاستبداد الديني و "للدكتاتور"، بحيث أصبح الفقيد الزعيم الروحي لهذه الحركة الإصلاحية. وأعلن منتظري بصراحة "أن من يتوسل بالعنف والتزوير يفقد أية مشروعية في تولي المناصب والمسؤولية في الدولة الإيرانية". وعبر الفقيد بعد إعلان نتائج الانتخابات أن " العدالة والأمانة قد انهارت"، وحذر المسؤولين من نسيان استبداد الشاه وتجربته الفاشلة.
لقد مرت سنوات على اللقاء بهذه الشخصية الدينية الإنسانية، وكان آخرها دعوته لي والعائلة في بيته في مدينة قم بعد انتصار الثورة الإيرانية في ربيع عام 1979 وبعد تحرره من سجن الشاه. كان أكثر تواضعاً وبساطة وأشد حماساً لبناء مجتمع يحترم حقوق الإنسان ومختلف الآراء والأديان، وعبر عن امتنانه لاستضافتي لابنه الشهيد محمد الذي قدم إلى العراق وأقام في بيتنا بعد هروبه من ملاحقة نظام الشاه عام 1972، ثم التحاقة بمكتب الراحل الخميني في مدينة النجف ثم عودته من جديد سراً إلى إيران. وقد ذهب محمد ضحية التفجير الذي عصف بمقر الحزب الجمهوري في طهران في يوم إطلاق سراحي من سجن إيفين في طهران في يوم 28 حزيران عام 1981.‏
طابت ذكراك أبها الشيخ الجليل، ولتهب في سماء إيران نسائم التسامح والمحبة وسمو القيم الإنسانية والإنسان باعتباره صاحب الحق و الكلمة الأخيرة في إدارة شؤونه.

adelmhaba@yahoo.co.uk
كاتب عراقي

الإسلام مقابل "الجمهورية الإسلامية" - مقال لمهدي خلجي

تبرز الآن فرصة جديدة للـ "الحركة الخضراء" في إيران لكي تظهر معارضتها للجمهورية الإسلامية ولنتائج الانتخابات الرئاسية المتلاعب بها في وقت سابق من هذا العام. فحسب «التقويم الإسلامي القمري»، وافق يوم الجمعة 18 كانون الأول/ديسمبر أول أيام شهر محرم الذي يعقبه شهر صفر. وبالنسبة للنظام في طهران، أصبحت السيطرة على الشوارع بصورة تدريجية أكثر صعوبة منذ أن بدأت الحركة الخضراء تحوّل جميع الإحتفالات السياسية الرسمية المجازة إلى فرص لشن احتجاجات ضد الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فإن الشهرين الحالي والمقبل، يمثلان المرة الأولى التي تحين فيها فرصة دينية.
الحداد معناه التمرد
حسب التقليد الشيعي، قاد الإمام الثالث حسين بن علي تمرداً نبيلاً ضد الحكم الظالم للخليفة المسلمي يزيد بن معاوية، ولكن التمرد كان فاشلاً في النهاية. ويمثل يوم العاشر من محرم، أو عاشوراء، نهاية ذلك التمرد الدموي في تشرين الأول/أكتوبر عام 680 م [سنة 61 هجرية] ، عندما واجه الإمام حسين جيش يزيد في كربلاء. وبمجرد هزيمة قوات الإمام حسين، قتل الإمام بطريقة وحشية مع بعض من تلاميذه السبعين، جنباً إلى جنب مع جميع الأعضاء الذكور من أفراد أسرته. ومنذ ذلك الحين، احتل الإمام حسين مكانة خاصة بالنسبة للشيعة. وحصل على لقب "سيد الشهداء"، وعلى مر التاريخ الإسلامي تأثر ملف صورته بأساطير ما قبل الإسلام، وكذلك بالكتاب المقدس المسيحي. إن إحياء ذكرى روحية الإمام حسين وتضحيته، فضلاً عن معاناة أسرته وتلاميذه، تمثل بمثابة نقطة محورية للحفاظ على الهوية الشيعية. وينظر الشيعة إلى أحداث عاشوراء باعتبارها لحظة حاسمة عندما انشقوا عن الطائفة السنية التي مثلت التيار الرئيسي والخلافة. واستطراداً لذلك، قام الشيعة منذ فترة طويلة بربط العزاء على الإمام حسين، وتضحيته الإلهية، مع مبادئ الحق والعدل بدلاً من القيادة الظالمة والقاسية.
محور الشبكات الاجتماعية الشيعية
لقد أصبحت مراسيم إحياء ذكرى عاشوراء بمثابة «الأسمنت» الأسطوري الذي يربط المجتمع في إيران، سواء قبل وبعد القرن السادس عشر — عندما أصبح المذهب الشيعي مذهب الدولة الرسمي. ولا تحيى الذاكرة في المساجد فحسب، بل أيضاً في مئات الآلاف من المباني المعروفة بالحسينيات أو التكايا التي تم تشييدها لغرض وحيد وهو إحياء ذكرى عاشوراء. وبالإضافة إلى هذه المواقع، التي يتم تمويلها من قبل الأوقاف والجهات المانحة الغنية، قام العديد من أسر الطبقة المتوسطة والعليا بتجهيز بيوتهم لتصبح أماكن لإحياء ذكرى مأساة كربلاء. ومن خلال هذا الإجراء، قام أعضاء هذه الأسر بمباركة ديارهم وأسرهم باسم الإمام حسين. إن كل من الحسينيات والمنازل الشخصية التي تستخدم لإحياء ذكرى [عاشوراء] قامت ببناء شبكة اجتماعية واسعة النطاق في إيران، وبقيت كبيرة حتى عندما أصبحت البلاد أكثر تمدناً. وقد قامت هذه الشبكة، في ظل ظروف معينة، بتأدية وظائف اجتماعية وسياسية غير دينية في ظل غياب مجتمعات المجتمع المدني، ووجود قيود فرضتها الحكومة في المجال العام. ويتم احياء ذكرى استشهاد الإمام حسين عن طريق طقوس الـ "روضة خاني"، التي تتكون من ألحان حزينة تسرد مآسي واقعة كربلاء، وعادة ما يؤديها مرتلين مهنيين ومنشدين دينيين، أو مداحين. وفي خلال هذين الشهرين محرم وصفر، يشكل الشيعة الـ "هيآت" أو الجمعيات الدينية، التي تنظم المواكب في الشوارع والتي تبدأ بقيام تجمعات في المساجد، أو الحسينيات، أو التكايا، أو المنازل الشخصية. ثم يخرج المصلون إلى الشوارع، حيث ينشدون أغاني دينية إيقاعية ويضربون صدورهم. ويقود صفوف الجلادين الذين يضربون أنفسهم بالسياط في هذه المواكب، شخص واحد أو أكثر من الأفراد الذين يتحملون عبء الوزن الساحق للصليب المزخرف من الصلب يسمى " عَلَمْ ". وتصاحب مراسيم الرثاء الحاشد في الشوارع موسيقى خاصة بذكرى عاشوراء، بما فيها العزف على الأبواق، والنقر على الطبلات، وغيرها من الآلات الموسيقية. ولا تقتصر أقوال المنشدين الدينيين والمرتلين المهنيين ورجال الدين على سرد مأساة واقعة كربلاء، بل يتطرقون أيضاً إلى القضايا الإجتماعية والسياسية المعاصرة. وفي السنوات التي سبقت الثورة الإسلامية، وفرت الأشهر محرم وصفر أفضل فرصة لرجال الدين المناهضين للحكومة لكي يقوموا بتحريك وحشد الناس ضد الشاه، وعادة عن طريق مقارنته مع يزيد بن معاوية، المثال للحاكم الظالم. ومن ناحية أخرى، شبهت المعارضة نفسها بالشهيد المقتول الإمام حسين الذي يجسد الحقيقة والعدالة.
فشل سياسة الإحتكار
منذ بداية الجمهورية الإسلامية، وضعت الحكومة نفسها باعتبارها السلطة الرسمية والحصرية في الشؤون الدينية. ولم يقتصر الأمر على قيام النظام باحتكار إدارة المنظمات والجمعيات الدينية-الاقتصادية التي تقوم بإدارة الأوقاف جنباً إلى جنب مع المؤسسة الدينية، ولكنه حاول أيضاً توطيد إدارة الطقوس الشيعية التي عادة ما تقع خارج نطاق الولاية القضائية للدولة. ومن خلال قيام الحكومة بإنشاء هيئات مثل "مكتب الدعاية الإسلامية (دفتر تبليغات إسلامي)"، و "منظمة الدعوة الإسلامية (سازمان تبليغات إسلامي)"، و "مركز إقامة صلاة الجمعة (دبيرخانه ائمه جمعه و جماعات)"، و "مركز شؤون المساجد (مرکز رسیدگی به امور مساجد)"، وعشرات غيرها من المؤسسات المماثلة، فقد تمكنت من تطهير رجال الدين الذين لا يُعتبرون مؤيدين للحكومة بما فيه الكافية ولإسكات وعوظهم وفعالياتهم خلال الطقوس الدينية مثل تلك التي تقام في عاشوراء. ومع ذلك، ونظراً للمراعاة الواسعة النطاق لطقوس محرم وصفر، فضلاً عن وصولها إلى كل ركن من أركان البلاد، لم تستطع الحكومة السيطرة بصورة فعالة على جميع الممارسات المرتبطة بإحياء هذه الذكرى. وفي السنوات الأخيرة، شكى النظام من المحاولات التي يقوم بها جيل الشباب لتحويل الإحتفاء بالذكرى الدينية إلى حدث أكثر تجديداً وعصرية. ولأسباب اجتماعية وثقافية كثيرة، تمكن الشباب الإيراني من تحويل الأحداث إلى فرصة لتجربة الموسيقى الجديدة، والإختلاط مع بعضهم البعض دون خوف من تدخل الشرطة، في الوقت الذي لا يستطيع هذا الشباب التمتع بالحفلات والمهرجانات في الشوارع كما يتمكن أقرانهم في أكثر المجتمعات الغربية المنحى، أو حتى الإلتقاء مع أعضاء من الجنس الآخر في الأماكن العامة.
وفي السنوات الأخيرة وخلال قيام المهرجانات، شهدت العديد من أحياء الطبقة الوسطى والعليا في المدن الكبرى فنانين شباب يغنون أغنيات عاطفية ورومانسية مع أناشيد متناقضة – وغير متحفظة ومفتوحة تجاه تحديد طبيعة هويتها من جانب أي من الجنسين وقابلة للتطبيق على الحب المقدس والدنيوي. كما أن ألحان وأسلوب الموسيقى هي أيضاً مستوحاة من أنماط غربية، بما في ذلك موسيقى "البوب والروك أند رول". ومن جانبهن، ترتدين الشابات، الفساتين والثياب المكشوفة، التي عادة ما تكون سوداء، وتذهب البعض منهن إلى حد وضع الماكياج الأسود، كمحاكاة للثقافة الفرعية القوطية الغربية. وقد انتقد آية الله علي خامنئي ورجال دين رسميين آخرين هذا "التحول" في طقوس عاشوراء بإعتباره "غير ملائم"، ولكن بالرغم من ذلك، فشلت الحكومة في منع الشبان من إعادة صياغة المراسم الدينية لأغراض خاصة بهم.
محاربة العدو بأسلحته الخاصة
أصبحت "الموجة الخضراء" - باعتبارها حركة لامركزية - في وضع يؤهلها تحدي الحكومة باستخدامها الطقوس الدينية التي تقام خلال شهري محرم وصفر. ومن وجهة نظر الحكومة، فإن قيامها بتصعيد المواجهة ضد المشهد الإجتماعي المفعم بالحيوية من شأنه أن يثبت بأنه مرهق إلى حد الإعياء. إن المساجد والمنازل في جميع المدن والقرى تقريباً التي يعيش فيها الشيعة، تشكل مراكز محتملة لقيام حركة مدنية وديمقراطية معارضة للحكومة. وبعد كل شيء، فقد استخدم الإيرانيون هذا الأسلوب نفسه خلال السنوات التي سبقت الثورة في عهد الشاه. وقد لعبت مشاركة الملايين في هذه الطقوس — بمن فيهم العديد من الذين لم يمارسوا عادة دينهم — دوراً رئيسياً في إسقاط نظام الشاه قبل ثلاثة عقود. واليوم، بإمكان رجال الدين ذوي الرتب المنخفضة أيضاً والذين يؤيدون الحركة الخضراء أن يلعبوا دوراً هاماً عن طريق سماحهم للشعب بتسييس المراسيم وتحويلها إلى تجمعات للمعارضة. وفي بيان صدر مؤخراً، قال رجل الدين المعارض آية الله حسين علي منتظري [الذي توفي في مدينة قم يوم السبت التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر الحالي عن 87 عاماً] أن "الجمهورية الإسلامية ليست إسلامية أو جمهورية، بل هي حكومة عسكرية".
إن قيام الحركة الخضراء باستخدام الأشهر محرم وصفر [لأهدافها السياسية] يمكن أن يكون له تأثير هائل على المؤهلات الدينية والشرعية للنظام. وإذا كانت الحكومة تتجنب العنف انطلاقاً من احترام القيم الدينية للأشهر محرم وصفر، فإن ذلك قد يعني قيام تحديات علنية لأسس إيديولوجية الجمهورية الإسلامية خلال هذين الشهرين. ولكن إذا ما اتخذت الحكومة إجراءات مشددة ضد المظاهر الدينية، فإن الاستياء ضد الجمهورية الإسلامية يمكن أن يزداد بدرجة كبيرة.
مهدي خلجي هو زميل أقدم في
معهد واشنطن، يركز على السياسة الإيرانية وسياسة الجماعات الشيعية في الشرق الأوسط.